للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

صف (١)، وطائفة تقول: يخرجون وهم في صلاة ويعودون فيتمون (٢). فقد أسقط وقار الصلاة، وأدخل عليها أعمالاً ليست منها، يمكن التخلص منها بالصلاة فرادى، وما كان ذلك إلا لحفظ الجماعة، وهذا يدل ذوي الحجى على أنه ما شرع ذلك إلا لشدة الاعتبار بالجماعة؛ إذ كانت الضرورة في الأصل مؤثرة في إسقاط الفروض، فلما أوجبها حال الضرورة، وأدخل عليها أفعالاً مثلُها يُبطل الصلاة في غير حال الخوف توفُّراً على الجماعة، عُلم أنها واجبة وجوباً متأكداً.

فإن قيل: هذا محمول على الندب، والاستحباب؛ لأن أيسر الأعذار يسقط وجوبها، مثل الأعذار العامة كالأمطار، والأوحال، والخاصة كالخوف من تلف/ خبز في التَّنُّور (٣)، أو قدر على النار، أو نِطَارَة (٤) بستان، أو رعى ماشيةٍ فخاف عليها التندد (٥) والضياع، بل كانت في حال هذه الأعذار غير واجبة، ولم يوجد من الأمر بها على تلك الحال إيجابا لها مع الأعذار التي هي دون تلك الحال، بل التنبيه على أن سائر هذه الأعذار لا تؤثر في إسقاطها، فلمّا لم توجب ذلك لم يعط هذا وجوبها؛ فإن العذر على العذر أدل، فلم يبق إلا أن ذاك أمر ندب، أو إيجاب لإظهار شعائر الإسلام، وإشعار المشركين تأكيد طاعة المتبعين له ـ صلَّى الله عليه ـ، وتحقيق ما جاء به من الشرع، وتوفر الاعتقادات له، لا لتأكيد الجماعة في الصلاة، ألا ترى أنه أمر مناديه فنادى عند ابتلال النعال بالمطر:


(١) ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٤٧، الفروع ٢/ ٧٥.
(٢) ينظر: المبدع ٢/ ١٤٢، كشاف القناع ٢/ ١٨، المغني ٢/ ٣٠٩.
(٣) التَّنُّور: نوع من الكَوانِين يخبز فيه. [ينظر: الصحاح ٢/ ٦٠٢، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٤٧٥].
(٤) النَّاطِر، والنَّاطُور: حافظ الزرع والتمر والكرم، وجمع النَّاطِر: نُطَّار، ونُطَرَاء، وجمع النَّاطُور: نَواطير، والفعل: النَّطْر، والنِّطارَة. [ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٢١٧، الصحاح ٢/ ٨٣٠، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ١٤٦].
(٥) يقال: نَدَّ البعير: إذا نفر وذهب على وجهه شارداً. [ينظر: الصحاح ٢/ ٥٤٣، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢٧٤].

<<  <   >  >>