وأما قول من قال منهم: إنها بقعة طاهرة مستقبَل بها القبلة.
قلنا: ولم اكتفيت بهذه الأوصاف [في](١) الإجزاء ووقوع الصلاة موقعها، على أنّك من حيث شرطتَ الطهارة، واستقبال القبلة للاعتداد، يجب أن تشترط الأصل المعتمد وهي كونها غير منهي عن الصلاة فيها؛ لتقع قربة غير محرمة الاستعمال، ليكن الستر والكون واقعين على وجه الطاعة [لا](٢) المعصية والمخالفة، ولم جعلت الحرام كالحلال، والإخلال كالتحصيل، على أنك تتعلق للإجزاء والصحة بكونها طاهرة، ونتعلق نحن لنفي الإجزاء بكونها مستعملة لا على الوجه المأمور به وهو القربة، ونرجع إلى أصل هو الإيجاب لها، والخطاب بها، ولا يمكن الخروج عن عهدة ذلك إلا بتكامل الشروط المعتبرة، ولا تكامل مع اختلال نية القربة والطاعة، وحصول الستر والاستقرار بغير ما نهي عن الاستقرار عليه، والاستتار به.
/ وأما تعلقهم بصلاة الجمعة، قلنا: لا نُسلّم، ونحمل قول أحمد على الرواية التي يقول فيها بالإجزاء، وقد حَكينا الروايتين في رأس المسألة.
ويحتمل أن أحمد ﵁ قال ذلك لمعنى، وهو أن الجمعة يقيمها السلطان، فتقع في المكان الذي يعينه، وليست الجمعة مما تقام حيث شاء المكلف، بل هي منوطة بالسلاطين والأمراء، وهي من أعلام الدين الظاهرة، فأمر بالصلاة فيها لإقامة العَلَم الظاهر، ولئلا ينسب إلى أنه لا يرى الجمعة، أو يتهم بالطعن في الأمير المقيم لها، أو الإمام المصلي بالناس، فيعطي العَلَم الظاهر حقه ويعيد.
وقد علّل أصحابنا (٣) في قوله بالصلاة خلف الفاسق في الجمعة دون غيرها؛ لأنه يمكنه أن ينتقي الأئمة في الجماعات لأنها كثيرة، فأما الجمعة فلا.
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق. (٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (إلا)، وما أثبته هو الموافق للسياق. (٣) كالقاضي أبي يعلى في التعليق الكبير ص ٦٩٢.