للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يدل على أن النهي عن الشيء يدل على قبحه سواء كان لمعنى في عينه، أو لمعنى في غيره، فكذلك يدل على الفساد.

فإن قيل: إنما يدل على القبح بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا ينهى إلا عن القبيح، وكذلك الأمر يدل على الحسن بواسطة دليل، وهو: أن الحكم لا يأمر إلا بالحسن، فإذا كان القبح بواسطة دليل لم يدل على الفساد بنفسه.

قلنا: نهي الحكم دليل القبح في نفسه، فيكون دليل الفساد في نفسه؛ لأن القبيح والفاسد في الشرع واحد.

وأما قولهم: إن الصلاة تنفرد عن الغصب، والكون.

قلنا: هذا كلام ظاهر الفساد؛ لأن الكون في الدار وإن تصور غيراً ومنفرداً عن الصلاة، والصلاة منفردة عنه، لكن إذا صلى فيها لا يكون مصلياً في الدار إلا بفعل الكون فيها، والكون المفعول في الصلاة في الدار المغصوبة لا ينفرد عنها، وما هذا إلا بمثابة من قال: القعود في الدار غير الكون فيها؛ لأنه قد ينفصل القعود عن الكون فيها بأن يكون فيها قائماً لا قاعداً، فيقال له: هذه أحوال الكون؛ فحالة يكون فيها قاعداً، وحال يكون فيها قائماً، كذلك الكون في الدار وهو غير مصلّ/ لا يُخرج المصلي فيها عن كونه فاعلاً للكون فيها في حال صلاته فيها، وكما لا يعطي ما ذكرت أن يكون القعود في الدار غير الكون فيها، لا يعطي أن تكون الصلاة فيها غير الكون فيها، وما هذا إلا بمثابة من قال: إنّ الكون ليس بحركة؛ لأنه قد يكون في المكان ساكناً، وليس بسكون في المكان؛ لأنه قد يكون فيه متحركاً. وذلك قول فاسد؛ لأنه يعطي أن اللّون غير السواد فإنه قد يكون اللّون بياضاً، وغير البياض؛ لأنه قد يكون حمرة، وإنما الصحيح أن اللّون شامل لهذه الصفات، كذلك الكون شامل لكون الكائن في المكان متحركاً [تارة] (١) وساكناً، كذلك الكون في الدار في حق المصلي لا ينفصل عن كونه مصليا فيها.


(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (كارة)، وما أثبته هو الموافق للسياق.

<<  <   >  >>