للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقال القاضي أبو زيد في «أصوله» (١): النهي ليس لإعدام الشيء بنفسه، بل هو طلب الإعدام بكف العباد عنه، كما أن الأمر ليس بإيجاد الشيء بنفسه، لكنه طلب الإيجاد بفعل العبد إياه، وإنما يتصور الإعدام بكف العباد عنه إذا كان يتصور وجوده بفعله، فإذا لم يتصور وجوده بفعله لم ينعدم بكف العبد عنه (٢).

قالوا: ولأن النهي في مسألتنا لمعنى في غير المنهي عنه، فلا يمنع صحة الصلاة، كما إذا صلى وهو مدافع للأخبثين (٣)،/ أو صلى وهو مماطل بالوديعة، أو صلى وإنسان يغرق، أو يحترق وهو قادر على خلاصه، ومن غير هذا الباب الطلاق في حالة الحيض، والخطبة على خطبة أخيه، والدليل عليه أنه ممنوع من الغصب في غير الصلاة، وإذا لم يكن المنع يختص بالصلاة يجب أن لا يؤثر فيها، كما قلنا في تلك الأشياء.

يدل عليه: أن الكون في الدار المغصوبة معصية، والصلاة فيها ليس هو الكون، بل هي الأفعال المخصوصة، وهي طاعة لله ـ سبحانه ـ في نفسها، والدليل على أن الكون في الدار غير الصلاة، والصلاة غير الكون في الدار أنه قد يفعل الكون في الدار من ليس بمصلّ فيها، ويكون مصلياً من لا يفعل الكون فيها بأن يصلي في غيرها، فأوجب هذا التقرير أن الصلاة طاعة، وقربة منفصلة عن الكون في الدار، فلا يعود الكون الذي هو [حيّز] (٤) لها بإبطالها، وإخراجها عن كونها طاعة، ومجزئة.


(١) كتاب: (تقويم الأدلة في أصول الفقه)، للقاضي أبي زيد الدبوسي، شرحه فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي. [ينظر: كشف الظنون ١/ ١٩٦، ٤٦٧، هدية العارفين ١/ ٦٤٨، ٢/ ٨٣].
(٢) ينظر: تقويم الأدلة ١/ ٥٦.
(٣) الأخبثان: البول والغائط. [ينظر: الصحاح ١/ ٢٨١، المحكم والمحيط الأعظم ٥/ ١٦٦].
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (محيّز)، وما أثبته هو الموافق للسياق.

<<  <   >  >>