قلنا: أما المنع فليس بمذهب، فلا يلتفت إليه، وأما العذر فلا يصح؛ لأنها إذا كانت قربة فلا انفصال للقربة عن الفرض، فهي مفروضة متقرب بها، فإذا سقط معنى التقرب لم تبق صلاة فريضة، ولا الصلاة المأمور بها، فالإتيان بها بلا قربة كعدم الإتيان بها، ولسنا نعرف صلاة ليست قربة/ يسقط بها الفرض، ولا عبادة لله ـ سبحانه ـ أصلاً تقع على غير وجه القربة، بل قربة لا تقع فرضاً وهي النافلة، لأن كل فريضة قربة على صفة الإيجاب والإلزام، فمن ألزمه الله ـ سبحانه ـ صلاة على وجه القربة، فأتى بصلاة لا على وجه القربة كان كمن أمره بصلاة بطهارة، وستارة، فجاء بصلاة لا بطهارة، ولا ستارة.
فإن قيل: يجوز أن يسقط الفرض وإن كان الشرط حاصلاً بمحظور، بدليل أن من تقوّى على أداء العبادات البدنية بطعام، مثل إنْ تزوّد في الحج بطعام مغصوب، فقوي به على السعي إليه، والنهوض بمناسكه، وأفطر وتسحّر في رمضان بطعام مغصوب، فقوي به على الصوم في الطرفين إفطاراً وسحوراً، وكان يضعف عن القيام في الصلاة في زمن قحط ومجاعة، أو لفقر يخصه، فغصب طعاماً فقوي بأكله، ونهض فصلى قائماً، فإنه تصح صلاته وإن كان [ما](١) تجدد من القوة عن الأكل المحظور للطعام المغصوب.
قلنا: الطعام منذ مضغه، (٢) صار في ذمته بإتلافه، وقوى أكله له، حيث استحال، وخرج [عن](٣) كونه طعاماً ومالاً، ولم يبق في صلاته سوى شغل ذمته بالغرامة، والقوة ليست عين الغصب، ولا توصف بالتحريم، ولهذا برئ من ضمان الغصب، ومأثمه بالغرامة للمال، والندم على فعاله، والعزم على أن لا يعاود إلى مثله، وهاهنا قد استعمل في الشرط عين الغصب، ونفس الحركات، والسكنات المتعدّى بها لا يجوز أن تقع قربة،
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق. (٢) بهذا المكان في الأصل حرف: (و)، وحذفه هو الموافق للسياق. (٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.