فإن قيل: فمن أين معكم أن ما لم يتناوله التكليف لا يسقط به التكليف.
قلنا: من حيث إن فاعله لم يفعل ما كُلِّفَه، وتُعُبِّد به، فهو بمثابة أن يقول ـ تعالى ـ له: صل، فيصوم، أو يقول: صم، فيتصدق، فإنه لا يسقط عنه ما أمر به.
فإن قيل: فقد يجوز أن يكون الفعل [منهيّاً](١) عنه لنوع قُبح، لكن يقوم مقام المأمور في باب مصلحة هذا، كما لو جعلت الصلاة مصلحة في النهي عن الفحشاء، فلا يخرجها فعلها في الدار الغصب عن ذلك، ولهذا يجوز أن يقول ـ تعالى ـ: لا تصلوا في الدار المغصوبة، فإن صلّيتُم سقط عنكم الفرض.
قلنا: لا نسلم ذلك؛ فإنّ مرتكب المنكر بصلاته لم تنهه صلاته عن المنكر الفاحش، ثم ليس/ إذا ورد دليل على سقوط الفرض لمنهي عنه، يجب إذا لم يرد دليل أن يكون كذلك، ألا ترى أنه لو قال: صلوا بطهارة، فإن صليتم بغير طهارة سقط فرضكم، [لا](٢) يدل على ذلك أنه إذا صلى من غير ورود الدليل بغير طهارة يسقط فرضه، وكذلك لو قال: صلوا، فإن صمتُم قام مقام الصلاة، لا يجيء منه أنه إذا لم يَرِد ذلك، وقال: صلوا، تجزئ الصلاة عن الصوم، كذلك في مسألتنا لم يرد دليل بإسقاط التّعبد بما لم يتناوله التّعبد من المنهي يسقط به التّعبد.
ومن أصحابنا من قال: إنّ مخالفينا من الفقهاء وافقوا أن النهي إذا كان لمعنى يختص الصلاة والعبادة في الجملة كان دالاً على فسادها، ومعلوم أنه كما يبطل الشيء لفساد يرجع إليه يبطل بفساد شرطه، وقد ثبت أن الاستتار في الصلاة شرط لصحة الصلاة مع القدرة بلا خلاف بيننا (٣)،
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (منهي)، وما أثبته هو الصحيح لغة. (٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق. (٣) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ٩٥، الغاية القصوى ١/ ٢٨٣، الإشراف ١/ ٨٩، الإنصاف ١/ ٤٥١.