والنهي عنه ضد الإطلاق، فلا يكون المنهي عنه مطلقاً، وإذا لم يكن مطلقاً لا يكون مشروعاً، يبيّنه أن النهي يدل على القبيح، والقبيح محظور، والمحظور والمشروع ضدان لا يجتمعان، يدل عليه: أن النهي ضد الأمر، فإن كان الأمر يفيد كون المأمور مشروعاً، فالنهي يفيد كون المنهي عنه غير مشروع، ولأن المشروع له درجات، وأدنى درجاته الإباحة، فإذا لم يكن مباحاً لم يكن له/ أدنى درجاته، والنازل على أدنى الدرجات نازل على العدم.
يدل عليه: أن الصلاة من حقها أن تكون طاعة وقربة، والصلاة في الدار المغصوبة معصية؛ لأنها تشتمل على القيام، والقعود، والركوع، والسجود، وهذه الأشياء تَصرُّفٌ في الدار المغصوبة، وشُغلٌ لأماكنها وأهويتها، ومنعٌ لربِّ الدّار منها لو حضر، وذلك معصية كالقعود، ووضع المتاع فيها، وإذا ثبت ذلك فالواجب لا يتأدى بالمعصية، والطاعة تنافيها المعصية، وكذلك القربة، وقد قال ﵇:«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»(١) فما ظنك بعمل فيه نهيه، فهو أولى بالردّ، والردّ ما لا يقبل، ولا له نفاذ، كالمردود عن دخول الدار، والمردود بالعيب.
فإن قيل: أفعال الصلاة ما يفعله المصلي في نفسه من القيام، والركوع، والسجود، وليس ذلك شُغلاً للدار، وإنما هو شُغلٌ للهواء، وإنما تُشغل الأرض باستقرار قدميه، وليس ذلك من الصلاة، لأنه لو أمكنه أن يصلي من غير أن تستقر [قدماه](٢) في الدار جازت.
قلنا: هذا لغو بيِّن؛ فإنَّ استقرار قدميه من جملة صلاته، والقيام، والسجود، والجلوس جميعه من أركان الصلاة، وذلك شُغلٌ لعَرْصة (٣) الدار.
(١) تقدم تخريجه. (٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (قدميه)، والصحيح لغة ما أثبتّه. (٣) عَرْصَة الدَّار: وسطها، وقيل: ما لا بناء فيه. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٧٣٨، الصحاح ٣/ ١٠٤٤].