ويدخلون الميدان الأخضر، وتدور رحى معركة عظيمة يقتل فيها ناس كثير، ويجرح فيها جم غفير، وينهب قصر حجاج والشاغور، وتشتعل فيهما النيران، غير أن عسكر الكامل يضطر إلى الانسحاب آخر النهار إلى خيامهم، وقد خلفوا وراءهم قتلى وجرحى من الفريقين، ويستمر نزيف دمشق (١).
ويأبى أن يلتئم جرح القلب الرقيق، ويموت زين الدين يوم الاثنين (٢٦) جمادى الأولى (٢)، بعد يومين من إصابته، تاركا صديقه أبا شامة يتجرع كأس الحزن والحصار.
* * *
كان أبو شامة يقضي نهاره أثناء هذا الحصار القاسي في تتبع وقائعه وأخباره، وما يجري خلاله من حوادث، يتلقفها مما يشاهده أو يسمع عنه، وفي لياليه الطويلة كان يجلس في غرفته في المدرسة العادلية الكبرى - حيث كان يسكن - يستعيد رواية تلك الوقائع مع الأصحاب والأصدقاء، وذات ليلة استبدت به رغبة شديدة في تسجيلها، فإذا به يستل ورقة من أوراقه، وعلى ضوء الشموع، يسجل فيها بخطه المتقن وقائع أول حصار يشهده:
الأحد تاسع جمادى الآخرة: وصل الكامل محمد إلى دمشق، ونزل بالقرب من مسجد القدم، وأمر بإجراء نهري يزيد وثورا لأجل سقي الأراضي، وخرج إليه ابن الفاضل أحمد بن عبد الرحيم بأمان منهما، ونفذ الناصر من جهته في آخر النهار جماعة من كبراء البلد من العلماء: خطيب الجامع جمال الدين الدولعي، وقاضي القضاة شمس الدين الخويي، والقاضي شمس الدين ابن الشيرازي، وجمال الدين الحصيري شيخ الحنفية إلى الكامل نيابة عنه في الخدمة والسلام، ثم عاودوا من الغد.
الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الآخرة: خرج عز الدين أيبك أستاذ الدار إلى