للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الخذلان المذل، فيعزم مع صديقه زين الدين أحمد بن يوسف الفرغاني على أن ينأيا بأنفسهما عن هذا الواقع المؤلم، ليجاورا في المدينة المنورة أو مكة المشرفة (١)، عساهما أن يجدا من الأمن والسكينة ما يفتقدانه هنا، فراحا ينتظران بصبر أشهر الحج، لينضما إلى قافلة الحجيج (٢)، ولكن يقطع عليهما انتظارهما سهم عائر ينطلق في القتال الدائر يوم الجمعة (٢٣) جمادى الأولى سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، فيصيب كتف صديقه زين الدين (٣).

كان زين الدين من فقراء الصوفية، ممن يسيح في البلاد، لا يأوي إلى عائلة، ولا يقيده هم الكسب، وكان قد حج من العراق، فلما قضى حجه سافر إلى مصر، ثم أتى إلى دمشق سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، وكان شابا رقيق القلب، مرهف الشعور، مولعا بإنشاد الأشعار الرقيقة (٤).

وعلى الرغم من جرحه النازف وآلامه ما كان لينسى أن ينشد صديقه أبا شامة عشية يوم إصابته بيتين من الشعر جميلين كان قد سمعهما في بغداد من شيخه شهاب الدين السهروردي:

شربت الهوى والخمر صرفا كلاهما … فكان الهوى عندي أشدهما سكرا

أما والهوى لو ذقت طعما من الهوى … لما كنت من بعد الهوى تشرب الخمرا (٥)

ويصغي أبو شامة إلى كلمات صديقه الجريح بعيون دامعة، وربما تساءل: أين رقة هذا القلب من قسوة هذه الأيام؟

ويشتد القتال يوم السبت، ويتقدم عسكر الكامل إلى دور البلد من جوانبه،


(١) «المذيل»: ٢/ ١٤.
(٢) انقطع الحج من الشام في هذه السنة، والسنين التي تليها، انظر «المذيل»: ٢/ ١٨.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٥.
(٥) المصدر السالف.

<<  <   >  >>