وفي غمرة هذه الحوادث المتلاطمة يخطر في بال أبي شامة أن يدون ما يجري في زمانه مما يعاينه (١)، فهو لا يملك إلا الكلمة، فليدون ما يراه، مما يجري تحت سمعه وبصره، عساه بذلك أن يخدم الأمة بكتابة هذا التاريخ، كي تستفيد تجربة في قراءته. خطر في باله ذلك الخاطر، وراحت الأيام تؤجل الشروع فيه.
وتعاوده الأحلام يستنجدها على هذا الخذلان الذي أصاب ملوك الأمة، فيرى فيما يرى النائم ليلة الثلاثاء تاسع صفر سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) كأن عمر بن الخطاب قد جاء للنصرة، وعليه برد يمان، ويقول لأبي شامة: سنأمر من ينادي بالرحيل إلى الساحل، ووعد بأن يستخلف على الشام إذا عاد رجلا شريفا شجاعا (٢)، ويقص أبو شامة رؤياه هذه على الناس، فيستبشرون بهذه الرؤيا (٣). فهل تحققت هذه الرؤيا حين بعث الكامل لابن أخيه الناصر منشور الولاية (٤)؟
كان الناس في دمشق في خوف عظيم من أن يأتي الصليبيون من الساحل، أو يأتي الكامل من مصر، وقد غدا بعد موت أبيه العادل كبير البيت الأيوبي، فلربما اطمأنوا بعض الاطمئنان حين أرسل منشور الولاية للناصر، وأقره على حكم مملكة دمشق.
ومن ثم تستعيد دمشق بعض عافيتها، ويغير جنودها على بلاد صور، ويعودون محملين بالغنائم بعد أن أثخنوا في الصليبيين (٥).
أما الكامل فقد كان يرمي من وراء ذلك إلى تطمين الناصر داود، ريثما يتضح له موقف الإمبراطور فريدريك الثاني المتأهب للقدوم إلى الشرق.
(١) «المذيل»: ١/ ٢٤. (٢) «المذيل»: ٢/ ٥. (٣) المصدر السالف. (٤) المصدر السالف. (٥) المصدر السالف.