وتعاوده الأحلام من جديد، فيرى عقب عودته ذات ليلة في منامه كأنه والفقيه عز الدين بن عبد السلام داخل باب الرحمة بالبيت المقدس، وقد أرادا فتحه، وثم من يمنع من فتحه، ويدفعونه لينغلق، فما زالا يعالجان الباب حتى فتحا مصراعيه فتحا تاما بحيث أسندا كل مصراع إلى الحائط الذي خلفه (١).
وتتضح معالم الخلاص لأبي شامة، فلا بد للأمة كي تنهض من كبوتها من حاكم عادل كعمر بن الخطاب ﵁ ومن عالم ناصح، يفتح للأمة باب الرحمة، ويأخذ بأيديها إلى أسباب الحياة.
ويصحو أبو شامة من أحلامه ليرى بؤس الواقع، فبينما كان المعظم يجهز عساكره إلى نابلس يسقط فجأة صريع المرض في منتصف شوال ولعله سقي السم - ويعاني آلام المرض حتى يوم الجمعة الفاتح من ذي الحجة سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) حيث يموت في صباحه عن سبع وأربعين عاما (٢)، والأمة أحوج ما تكون إلى قائد في هذه الأوقات العصيبة، وتبكي دمشق ملكها، فهو على ما فيه قد تفرد من بين ملوك عصره بالجمع بين الجهاد، والاشتغال بأنواع العلوم … وكان عديم الالتفات إلى ما يرغب فيه الملوك من الأبهة والتعظيم (٣)، وهي صفات تغفر له ما عداها عند أبي شامة، ويتولى من بعده ابنه الناصر داود، وهو في الحادية والعشرين من عمره (٤). ويزداد بموت المعظم طمع الصليبيين بالبلاد، فيخرجون من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا - وكانت مناصفة بينهم وبين المسلمين، وسورها خراب - فيستولون عليها، ويعمرون سورها، ولم تجد صيدا من يدافع عنها؛ لأن أسوار الحصون القريبة منها مثل تبنين وهونين مخربة كذلك (٥).