للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وبينما كان أبو شامة منهمكا في إنجاز شرح صغير مختصر لقصيدة الإمام الشاطبي في القراءات «حرز الأماني» (١) راح يتجرع غصص هذا الحزن والضيق مع من يتجرعه من أهل دمشق، ويرى ذات ليلة في منامه كأن عمر بن الخطاب ، فاتح القدس، قد أقبل إلى الشام منجدا لأهله على الفرنج، وأبو شامة يمشي إلى جانبه، ملاصقا منكبه بمنكبه حتى كان الناس يسألونه عنه وعما يريد أن يفعل، وكان أبو شامة يخبرهم عنه، فكأنه كان واسطة بينه وبين الناس (٢).

هل كان أبو شامة - وهو الرازح تحت الشعور بالعجز - يبحث عن دور له في كشف هذه الغمة؟

ربما تجلى له هذا الدور، وهو يرى في منامه كذلك ذات ليلة كأن المسلمين في صلاة الجمعة في حر شديد، وأبو شامة خائف عليهم من العطش، ولا ماء، ثم ينظر إلى بئر ماء، وإلى جانبه حوض، فيخطر له أن يستقي من ذلك البئر، ويسكب في الحوض حتى يشرب منه الناس إذا انصرفوا من الصلاة، وكان شخص قبله لا يعرفه قد استقى دلوا أو دلوين، فيأخذ منه أبو شامة الدلو، فيستقي دلاء كثيرة لم يعرف عددها، ويسكب في الحوض (٣).

فهل كان من معاني هذا الدور أنه يريد أن يعلم الأمة الأخذ بأسباب الحياة؟

* * *

ويحركه الشوق إلى القدس، وقد أثاره الخوف عليها، فيسافر إليها في رحلة جماعية في آخر شعبان سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) بصحبة الفقيه عز الدين بن عبد السلام، فيزور الأقصى والخليل، وما بتلك الديار من الآثار، ويقضي هناك أربعة عشر يوما من رمضان، ثم يعود إلى دمشق (٤).


(١) «إبراز المعاني»: ١/ ٦٩.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٩.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المذيل»: ١/ ٣٩٧ - ٣٩٦.

<<  <   >  >>