للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويبدو أن جنازة أبي شامة لم تكن من تلك الجنازات الحافلة التي كانت تشهدها دمشق لعلمائها الكبار، فلم يذكر لنا خبر عنها، ولم ندر من صلى عليه، ولربما ارفض الناس عنها، والعهد قريب بمحنة صاحبها، خوفا من بطش من بطش به ونفوذه.

وهكذا أغمض أبو شامة عينيه على حلم كان يود لو يتحقق، فقد عاش ما عاش


= والصواب ما أجمع عليه المؤرخون من أنه توفي، بل إن السبكي في «طبقات الشافعية» ٨/ ١٦٧ - ١٦٨ قد صرح بأنه اعتل بالضرب إلى أن مات.
وما يزال قبر أبي شامة قائما في مقبرة الفراديس، وتعرف الآن بمقبرة الدحداح، وقد زرته غير ما مرة.
وقد شاعت حكاية في دمشق في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي - ولولا شيوعها ما ذكرتها - على لسان الشيخ عيد الحلبي - وهو أحد مشايخ دمشق، متوفى سنة (١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٦ م) - من أنه مر على مقبرة الدحداح لزيارة قبر والده، فمر بقبر الحافظ أبي شامة، وعنده جماعة يتلاحون مع حفار القبور، يريدون أن يفتحوا قبر أبي شامة لدفن قريب لهم، والحفار يأبى إكراما لصاحب القبر، ولكن أحدهم تجرأ، وفتح القبر بنفسه، ففوجئ الحاضرون بجثة الحافظ كما هي، وتقدم الشيخ محمد عيد الحلبي، ورأى بأم عينه وجهه سليما لم تأكله الأرض، وشاهد شامته المشهور بها، ولحيته لم يسقط شعرها، وقد رويت الحكاية هذه كذلك في ترجمة الشيخ عيد الحلبي في كتاب بعنوان تاريخ علماء دمشق»: ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.
ومدار صدق هذه الحكاية على صحة الخبر، فهل خبرها صحيح؟ فلعل راويها قد وهل، فظن أن من رآه هو أبو شامة، وهو غيره قد دفن من عهد قريب.
ومما يوهن هذه الحكاية وينقضها أن فاطمة ابنة أبي شامة قد توفيت ليلة الجمعة ثاني رجب سنة (٧٠٧ هـ/ ١٣٠٧ م)، ودفنت من الغد بمقبرة الفراديس في قبر والدها - ذكر ذلك اليونيني في «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١١٨٦، ولم يذكر أحد في زمانها أنه رأى أبا شامة في قبره لم يبل، ولم يمض على وفاته سوى اثنتين وأربعين سنة، ولو ذكر ذلك لكان أقرب للتصديق لقرب وفاتها من وفاته، والله أعلم.

<<  <   >  >>