ولربما يدل على ما كان يشعر به أبو شامة من اطمئنان، وأنه لم يكن يلتفت لعداوة من عاداه اتخاذه منزلا له في محلة طواحين الأشنان خارج باب توما في آخر المعمور (١)، وهو مكان مخوف موحش في تلك الأيام التي لا أمان فيها إلا لمن يسكن داخل الأسوار، ولربما كان يقيم في ذلك البيت وحده، عاكفا فيه على تصانيفه وقراءاته، بعيدا عن صخب أطفاله الصغار في بيته بدار العطافية غربي المدرسة العادلية الكبرى، ولم يكن أبو شامة يدري أن ثمة من يترصد له للإيقاع به.
فبينما كان في يوم السبت السابع من جمادى الآخرة سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) في بيته بطواحين الأشنان، إذ طرق عليه طارق، فإذا هما رجلان يريدان أن يستفتياه في فتوى، فما إن فتح لهما الباب ودخلا حتى انهالا عليه ضربا مبرحا كاد يتلف منه (٢)، ولربما حاولا خنقه (٣)، حتى إذا همد وظنا أنهما قتلاه، غادرا البيت خفية دون أن يدري بهما أحد، أو يحس بهما أحد (٤).
وبعد رحيلهما ثاب إلى أبي شامة وعيه، واستطاع أن يتماسك، وأن ينهض.
وعلم من حوله من الأصحاب بالأمر، وهالهم حقا ما جرى له، فقالوا له: إن ما جرى أمر عظيم لا ينبغي السكوت عنه، فقم إلى ولاة الأمر، واشك إليهم ما وقع لك كي ينصفوك، ويأخذوا حقك ممن اعتدى عليك. غير أن أبا شامة كان قد عقد مع الله عقدا، أن يصبر على ما يصيبه من بلاء، وأن يتوكل عليه، فهو حسبه.
ويدون أبو شامة في «مذيله» ما جرى له، فيكتب: «وفي سابع جمادى الآخرة
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٠٤، «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١. (٢) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣٦، «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١. (٣) تالي وفيات الأعيان للصقاعي: ص ٩٩، وانفرد بروكلمان بقوله: وقتل رجما بالحجارة، ولم يذكر مستنده في ذلك، انظر «تاريخ الأدب العربي» (الترجمة العربية) القسم الثالث (٥ - ٦): ص ٣٨١ - ٣٨٢. (٤) «الوافي بالوفيات»: ١٨/ ١١٥، «فوات الوفيات»: ٢/ ٢٧١.