جرت لي محنة بداري بطواحين الأشنان، فألهم الله الصبر، وفعل الله تعالى فيها من اللطف ما لا يقدر على التعبير عنه بوصف، وكان قيل لي: قم واجتمع بولاة الأمر.
فقلت: أنا فوضت أمري إلى الله، فما أغير ما عقدته مع الله، وهو يكفينا سبحانه ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (١)، ونظمت في ذلك ثلاثة أبيات:
قلت لمن قال أما تشتكي … ما قد جرى فهو عظيم جليل
يقيض الله تعالى لنا … من يأخذ الحق ويشفي الغليل
إذا توكلنا عله كف … فحسبنا الله ونعم الوكيل (٢)
* * *
ونتساءل: لم أغفل أبو شامة وقائع ما حدث له، واكتفى في وصف ما جرى له بكلمة محنة؟ ولم لم يكشف عمن ضربه، وهو لا ريب يعرفه؟ هل كان بصمته يسعى للنجاة من خطرهم؟ ثم لماذا امتنع من شكواهم لولاة الأمر؟ هل كان يعتقد أن ولاة الأمر متواطئون معهم؟ وأنه ليس له في محنته هذه من نصير إلا الله ﷾، فهو سيقيض له من يأخذ حقه، ويشفي غليله؟
ومع صمت أبي شامة صمت كذلك من عاصره من المؤرخين، ويبدو أن أعداء أبي شامة قد روجوا شائعة غريبة لما حدث له، وهو أن بعض تلاميذه تعرض لخنقه، إبعادا لأنفسهم عن هذه التهمة، وقد تلقف هذه الشائعة الصقاعي، وهو مؤرخ نصراني، كان معاصرا لأبي شامة، ويعمل كاتبا في الديوان، فسجلها في تاريخه (٣).
أما قطب الدين موسى بن محمد اليونيني، وهو مؤرخ معاصر لأبي شامة كذلك، فقد أشار إشارة خفية إلى الأسباب التي حملت على ضرب أبي شامة، إذ