للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان السلطان الظاهر بيبرس قد وصل إلى عثليث، فأمر بتشعيثها، وقطع أشجارها، فقطعت كلها، وخربت أبنيتها في يوم واحد، وعاد إلى قيسارية، وكمل هدمها حتى لم يدع بها أثرا (١).

* * *

ثم رحل عنها في (٢٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) دون أن يعرف أحد من عسكره قصده، فنزل على أرسوف في أول جمادى الآخرة، فحاصرها، وكانت مدينة منيعة، وقد اطمأن الصليبيون إلى مناعتها، فأعمل الحيلة في الاستيلاء عليها، فنقل إليها من الحطب كميات كبيرة حتى صارت حول المدينة كالجبال الشاهقة، وعمل فيها ستائر، ثم حفر سربين من خندق المدينة إلى خندق القلعة، وسقفه بالأخشاب، وعمل طريقا بين الخندقين إلى القلعة، وردم الحطب في الخندق، غير أن الصليبيين اكتشفوا ذلك، فأحرقوا الحطب حتى صار رمادا.

فعاود السلطان العمل، فأمر بالحفر من باب السربين إلى البحر، وعمل مسروبا تحت الأرض يكون حائط خندق الصليبيين ساترا له، وعمل في الحائط أبوابا يرمي التراب منها، وعمق المسروب حتى تساوت أرضه وأرض الخندق، وقد أحضر المهندسين حتى تم له ذلك، وكان يلازم العمل بيده في الحفر، وفي جر المنجنيقات ورمي التراب ونقل الأحجار أسوة بغيره من الناس، وكان يمشي بمفرده وفي يده ترس، يتنقل من مكان إلى آخر، فهو تارة في السرب، وتارة في الأبواب التي تفتح، وتارة على حافة البحر يرامي مركب الصليبيين، وتارة فوق الستائر يرمي منها، ولا يجرؤ أحد من العسكر أن ينظر إليه، أو يشير إليه بأصبعه (٢)، وقد رمى ذات يوم ثلاث مئة سهم، وحضر في يوم آخر إلى السرب، وقعد في رأسه خلف


(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٨.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٨_٥٢٩.

<<  <   >  >>