وكان القاضي ابن خلكان قد أطلق يد هذا الشاب في عمالة جامع دمشق ومخزن الأيتام (١)، بل إن هذا الشاب قد غدا يتحكم بمجلس القضاء، فهو يحضره مع العدول الأثبات، وفيهم أبو شامة، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء، والقاضي يصغي إليه، وهو عنده العدل الرضا، بل إنه يولي المناصب من يشاء، ويعزل من يشاء، مبعدا الشيوخ الكبار عن المناصب التي يستحقونها، وهم يشكون الفاقة والحرمان (٢).
وتعصف بأبي شامة سورة الغضب، وهو يرى آماله تتحطم على صخرة هذا الجور، وقد ظن أن دمشق قد تخلصت منه برحيل آخر القضاة الفاسدين نجم الدين بن صدر الدين، فيردد وقد خنقه اليأس:
كلما قلت دولة الحاكم الجا … ئر زالت قامت علينا أخرى (٣)
وفي سورة غضبه هذه يتخلى أبو شامة عن حلمه واعتداله وإنصافه، ويترك لقلمه أن يطغى في وصف من عاصرهم من القضاة، ناعتا إياهم بأنهم كلهم جهال وأوقاح (٤)، خالطا بين صالحهم وطالحهم، لا يفرق بين من عرف بنزاهته واستقامته وورعه منهم كجمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد ابن الحرستاني (٥)، وشمس الدين أحمد بن الخليل الخويي (٦)، وكان يكن لهما في قلبه أعظم التقدير والاحترام، وبين من عرف منهم بفسقه وظلمه كرفيع الدين الجيلي (٧)،