الظاهر بيبرس ما وقع، فأرسل على الفور الأمير عز الدين الدمياطي للقبض على طيبرس، وإرساله مخفورا إلى القاهرة.
ووصل الأمير عز الدين مع عسكره إلى دمشق في ثالث ذي القعدة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) وبكر بالدخول إليها من عقبة شحورا (١)، وهناك تلقاه أمراء دمشق للسلام عليه، وفي مقدمتهم الأمير طيبرس الوزيري، فلما تقدم إليه ليسلم عليه، قبض الدمياطي بيد عضد طيبرس، وبيده الأخرى سيفه، وأنزله عن فرسه، وأركبه بغلا استهانة به، ثم قيده، وتركه بمصلى العيد، فلما جن الليل سيره مخفورا إلى القاهرة، وراح يستخرج أمواله التي انتزعها من الناس، وبقيت في دمشق، وكان طيبرس قد أرسل قسما عظيما منها مع العرب ليحفظوها له في مضاربهم (٢). وناب عنه في دمشق الأمير علاء الدين أيدغدي الحاج الركني (٣).
في غمرة هذه المظالم التي كانت دمشق تتلوى على جمرها، كان قاضيها الجديد ابن خلكان مشغولا بنظم الشعر والدوبيت والمواليا (٤)، متغزلا بالغلمان (٥)، وكان يقضي لياليه يتعاطى الحشيشة على إيقاع قرع الطبل مع العفيف بن أبي الفوارس، ذلك الشاب الجميل الذي يهتز بماء الشباب عجبا وسكرا على حد تعبير أبي شامة (٦)، ولك أن تتخيل ما يكون عليه متعاطي الحشيشة من مجون وخلاعة لا يليقان بمنصب القاضي، وما ينبغي له من حسن سمت وكمال عقل.
(١) بين الكسوة ودمشق، «ذيل مرآة الزمان»: ١/ ٤٨٩، هامش المطبوع. (٢) «المذيل»: ٢/ ١٧٧ - ١٧٨. (٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٧٢. (٤) «المذيل»: ٢/ ١٨٥. (٥) «وفيات الأعيان»: ٧/ ٩١ - ١٠٧ من مقدمة د. إحسان عباس. (٦) «المذيل»: ٢/ ١٨٦.