للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

واستغل نائب دمشق الأمير طيبرس الوزيري كتاب السلطان أسوأ استغلال وأبشعه لتحقيق مصالحه، ووجد فيه فرصة ذهبية للإثراء السريع (١)، فراح يلزم كبراء دمشق بالرحيل عنها بأهاليهم إلى مصر، ويضيق عليهم ليجبرهم على الخروج منها، ويلزم أرباب الدواوين والمتصرفين لهم بإرسال نسائهم إلى مصر، وبقائهم في خدمته في دمشق سواء في ذلك العاجز والقادر، ويلزم كذلك تجار الأسواق في القيسارية الفخرية والخواصين وغيرهما، بل إنه ألزم جماعة من صناع القواسين والفرايين، وحتى يوهم الناس أن أمر التتار جد لا هزل فيه ألزم كل من كان بينه وبين التتار علاقة بالخروج منها كرها، فأخرج فيمن أخرج القاضي كمال الدين التفليسي (٢).

ولحمل الناس على الخروج استعان طيبرس بالعرب البدو، فراح يضيق على أهل دمشق بالغلال، ويمكن العرب البدو من شرائها، وينشر بين الناس الشائعات بقرب قدومهم، فكان البدوي يجلب الجمل، ويبيعه بأضعاف ثمنه، ويشتري به الغلة بأرخص الأثمان، لأن الناس متهافتون على شراء الجمال، فهم بين خائف يبيع حاصله ليتجهز بثمنه، وهو محتاج في سفره إلى الجمال، وبين من هو مكره على الخروج فهو مضطر له، حتى إن كراء جمل المحارة - وهو المجهز للسفر ـ قد بلغ من دمشق إلى مصر نحو مئتي درهم، وهو مبلغ كبير (٣).

حتى إذا كان منتصف شوال سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) تكامل استعداد الناس للخروج، فبدؤوا يرحلون عن دمشق، قافلة إثر قافلة، وفي الطريق، وكان الوقت حارا، اشتد عليهم العطش لقلة الماء، وخرج عليهم قطاع الطرق والصليبيون، فخطف بعضهم، وجرح بعض (٤).

ووصلت أولى قوافلهم إلى مصر، وقد عانت من أهوال الطريق ما عانت، وبلغ


(١) «المذيل»: ٢/ ١٧٨.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٧٦.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٧٨.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٧٧.

<<  <   >  >>