تقي الدين خزعل سماع لهما من مصنفيهما في رحلته إلى العراق (١).
ويبدو أن الشيخ تقي الدين خزعل قد خص فتاه أبا شامة باهتمامه - على ازدحام الطلبة عليه (٢) - لما لمسه عنده من فهم ثاقب وقدرة على الحفظ، فرغب إليه ألا يصرف جل وقته في حفظ أقوال الفقهاء، بل راح يحثه على حفظ الحديث، والتفقه فيه، وبخاصة «صحيح مسلم»، وكان يقول له: «إنه أسهل من حفظ كتب الفقه وأنفع (٣)». وكثيرا ما كان يوازن أمامه بين أقوال الفقهاء في المسألة باحثا فيها عن الدليل (٤)، وهو بهذا كان يضع بين يدي الفتى أبي شامة منهجا في الفهم ينأى فيه بعقله عن ربقة التقليد، وقد وجد أبو شامة فيما بعد ثمرة أقوال شيخه، فكان يقول:«وصدق ﵀»(٥).
أما في يوم الجمعة، فكان يصعد في ضحاه إلى جبل قاسيون، قاصدا شيخه موفق الدين ابن قدامة، فيدخل جامع الحنابلة، فيوافي الشيخ محمد بن خلف بن راجح المقدسي، وقد جلس على درج المنبر السفلي، وبيده كتاب من كتب الحديث، أو أخبار الصالحين يقرؤه على الناس إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة (٦)، فإذا ارتقى شيخه موفق الدين المنبر (٧)، أنصت لخطبته، وهو يعظ الناس، ويذكرهم أيام الله.
(١) «المذيل»: ١/ ٣٨٩. (٢) «سير أعلام النبلاء»: ٢٢/ ١٨١، و «الوافي بالوفيات»: ١٣/ ٣١٠. (٣) «المذيل»: ١/ ٣٩٠. (٤) المصدر السالف. (٥) «المذيل»: ١/ ٣٩٠. وكان من ثمرة هذا المنهج أن ألف أبو شامة من بعد كتبا ينعى فيها على التقليد والمقلدين، منها «خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول»، انظر ص ٤٨٨ - ٤٨٩ من هذا الكتاب. (٦) «المذيل»: ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧. (٧) «المذيل»: ١/ ٣٧٠.