وعقب الصلاة كان يجلس إليه في حلقته مع طلبة العلم؛ ليسمع منه الحديث الشريف، وكان يقرأ عليه «مسند الإمام الشافعي» - وقد فات أبا شامة سماع ورقتين منه - وكتاب «النصيحة» لابن شاهين (١). وسمع عليه في الفقه كتابه «المغني»(٢) الذي شرح فيه الموفق مختصر أبي القاسم الخرقي، وأجازه فيه (٣)، وكان ممن يحضر هذه المجالس محمد بن محمود بن عبد المنعم المراتبي، وقد انعقدت بينه وبين أبي شامة صداقة متينة، وغدا المراتبي من بعد من كبار فقهاء الحنابلة بدمشق (٤).
وفي طريق عودته كان يمر بجسر كحيل على نهر ثورا، قرب المدرسة الشبلية، ويتتبع ببصره التربة البدرية، حيث كان يسكن سبط ابن الجوزي، فيراه جالسا في شباكها، أو على الصفة الخارجة من النهر، ومعه كتاب يطالع فيه أو ينسخ منه (٥).
وبعد سنين، وقد شارف أبو شامة على الستين، يستعيد ذكرى تلك الأيام، متحسرا على انقضائها، ومرددا بأسى:«فما أطيب ما كانت تلك الأيام، وما أرغد عيش تلك الأعوام»(٦).
وستظل معرفته بسبط ابن الجوزي لا تتعدى هذه الرؤية عن بعد، حتى بعدما جمع بينهما حب التاريخ، والاشتغال فيه، ولعل ما باعده عنه ما كان يراه من قرب سبط ابن الجوزي من ملوك عصره، وصحبته لهم على خلاف ما كان عليه شيخاه الأثيران فخر الدين ابن عساكر وعلم الدين السخاوي.
(١) «المذيل»: ١/ ٣٦٨. (٢) «الباعث على إنكار البدع والحوادث»: ص ٢١٧. (٣) كتاب البسملة: ص ٥٣٧، وقد قال فيه أبو شامة: «هو كتاب جليل، مشحون بالأدلة من الكتاب والسنة، على طوله وإحاطته بأكثر المسائل والنوازل، وليس للحنابلة كتاب فيما علمت أجل منه». (٤) «المذيل»: ٢/ ٨٠ - ٨١، و «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب: ٢/ ٢٤٢. (٥) «المذيل»: ١/ ٣٠٧. (٦) المصدر السالف.