نعمة كبرى تريحه من سماع أحاديث الناس ولغوهم، وتعينه على الانقطاع للعبادة (١).
وربما استضرى أعداؤه عليه، وهم يرون منزلة القاضي في علو، ومنزلة أبي شامة في انحدار، وقد بلغ القاضي صدر الدين أعلى منازله يوم افتتح الناصر يوسف مدرسته الناصرية الكبرى في سابع محرم سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) وولاه تدريسها، وقد حضر مع أمرائه وأعيان الشام، وجمهور أهل الحل والعقد افتتاح الدرس الأول فيها (٢).
لقد كانت الطريق إلى المناصب الكبرى معروفة لأبي شامة، ولكنه وهو العالم حقا كان يتنكبها عن عمد، ويرى أنها طريق تزري بالعالم وعلمه (٣)، ولكي ينأى بنفسه عما يزري بها كان لا بد أن ينفذ قراره في الاعتزال نهائيا عن دنيا التدريس في المدارس، فما إن فرغ من إعادة النظر في كتابه «المرشد الوجيز»، وانتهى من كتابته يوم الأحد (١١) ربيع الأول سنة (٤)(٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، ثم أتم إسماع كتابه «المحقق من علم الأصول» بالتربة الأشرفية في يوم الاثنين (٢٦) شعبان من العام نفسه (٥)، حتى كان قد عقد عزمه على تنفيذ قراره، متخذا من مرضه الذي ربما عاوده في رمضان سنة (٦)(٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) مناسبة لإعلان هذا القرار، فنظم فيه أبياتا، يؤرخ فيها لقراره، يقول فيها:
أردت راحة سري … مما يضيق صدري
لما ألاقي من الخل … ق من جفاء وغدر
وحسد واغتياب … فيا ضياع العمر
فاخترت أن أتنحى … وأستقل بأمري
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠٦. (٢) «الدارس»: ١/ ٤٦٠. (٣) «المذيل»: ١/ ١٥٠. (٤) انظر ص ٥٠٤ من هذا الكتاب. (٥) «المحقق من علم الأصول»: ص ٣٢. (٦) «المذيل»: ١/ ٣١.