من بعض الملحدة الحشيشية، ثم أشار بعضهم على الباقين بإتمام الأمر فيه، وقال: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها. فركبوا، وتسلحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب، لأنه كان في الصحراء، نازلا بإزاء الفرنج، فدخل البرج خوفا منهم، فأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج من بابه، وناشدهم الله في الكف عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله، فلم يجب إلى شيء من ذلك، فدخل في البحر إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع، فضربه البندقداري بالسيف، فوقع في الماء، فضربه بالسيف ضربة واحدة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع قطعتين (١).
وأخبره السيف بن الشهاب جلدك - وكان أبوه والي القاهرة - أنه لما قتل رمي في جرف على حافة البحر، وردم عليه التراب، فبقي هناك ثلاثة أيام، ثم كشفه الماء، فنقل من ثم إلى الجانب الآخر من البحر فدفن هناك.
وقد حكى له السيف بن الشهاب جلدك صفة نقله، وهو أنه جر في الماء بصنارة، والجار له راكب في مركب، والصنارة بيده يجره في الماء كأنه حوت إلى أن عدى به إلى الجانب الآخر، فدفنه هناك، فكان قتله والناس في غفلة وبهتة من أمرهم، وعوجل فلم يجد ناصرا.
ولما فرغ من قتله نادوا: لا بأس، الناس على ما هم عليه، إنما كانت حاجة فقضيناها، واستبدوا بالأمر (٢).
وقد عبر أبو شامة عن صدمته، وهو يعيش تمزق الإحساس في شهر واحد بين نصر كبير وفاجعة عظيمة، فكتب في تاريخه: «فانظر إلى هاتين الواقعتين العظيمتين الغريبتين كيف اتفقتا في شهر واحد، إحداهما في أوله، وهي كسرة الفرنج الكسرة