كان لويس التاسع ما يزال في معسكره دائب البحث عن طريقة يستطيع من خلالها عبور البحر الصغير، وقد واتته الفرصة في أواخر شوال سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) إذ قدم إلى معسكره أحد الأقباط، وعرض عليه أن يدله على مخاضة يعبرون منها (١).
فما إن أطل فجر الرابع من ذي القعدة سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) حتى كان الصليبيون يشرعون في اجتياز المخاضة، وتولى روبرت أخو الملك لويس التاسع قيادة مقدمة الجيش (٢). وحين لاح له المعسكر الإسلامي - وكان خارج المنصورة - لم يستطع مقاومة إغراء الهجوم عليه دون إذن من أخيه (٣).
كان المعسكر الإسلامي غارا عند الفجر، آمنا من أن يؤتى من قبل الصليبيين، وإذا به يفاجأ على حين غرة بهجومهم عليه، بل إنهم يدخلون خيامه، وتذهل المسلمين الصدمة بادئ ذي بدء، ويلقى عدد منهم مصرعه، من بينهم أمير الجيش فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وصديق أبي شامة ضياء الدين محمد بن أبي الحجاج، صاحب ديوان الجيش (٤).
وسرعان ما يصحو الجيش من ذهوله، ويتولى قيادته مماليك السلطان الصالح أيوب، وفي مقدمتهم ركن الدين بيبرس البندقداري، وبخطة عسكرية بارعة يستدرج الصليبيين إلى داخل مدينة المنصورة، تاركا لهم أبوابها مفتوحة، إغراء لهم على دخولها، وقد أسكرهم نصرهم المفاجئ، وبينما هم يطوفون في شوارعها وأزقتها ينقض عليهم المماليك من كل صوب حتى يفنوهم عن آخرهم، ويقع روبرت أخو الملك لويس التاسع بين القتلى (٥).
(١) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٤٥٨. (٢) المصدر السالف. (٣) المصدر السالف: ٣/ ٤٥٩. (٤) «المذيل»: ٢/ ٩٣. (٥) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٤٦٠.