فلما حضر مسك الأمير جرمكى وقيدهم، ثم أحضر الأمير لاجين من السجن، فلما أكملهم سبعة من الأمراء فأمر بخنقهم فخنقوا تحت الليل، فلما أخرجوهم ليدفنوهم فوجدوا الأمير لاجين فيه بعض روح، فأخبروا به السلطان فرق له وأنعم عليه بتقدمة ألف.
ثم أفرج عن الأمير بيسري، وأحضره من السجن، وسبب ذلك أن السلطان لما قدم من السفر وشق المدينة، فلما جاز على بيت الأمير بيسري خرجوا بأولاده على الباب، وكانوا ستة أولاد ذكور صغار، فباسوا الأرض للسلطان، فقال:"من هؤلاء"، فقالوا له الأمراء هؤلاء أولاد مملوكك بيسري"، فرق لهم، ورسم لهم بالإفراج عن أبيهم فأحضره، وأنعم عليه بتقدمة ألف.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة، فيها سافر السلطان إلى نحو البلاد الشامية، ثم توجه إلى حلب، ثم إلى قلعة الروم (١)، فنصب عليها ثلاثة وعشرين منجنيقا، ففتحها في يوم السبت حادى عشر رجب، وكانت هذه القلعة كرسى مملكة الأرمن.
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فيها رجع السلطان إلى القاهرة، فأقام مدة، ثم سافر على الهجن إلى الكرك، واستقر بالأمير أقوش نائب الكرك.
ثم توجه إلى دمشق، فعرض هناك العساكر، وعين منهم جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية إلى مدينة سيس، وعلى أن السلطان يجي بعدهم، فلما وصلوا العساكر إلى سيس، أرسل صاحب سيس يطلب الصلح، فكاتبوا السلطان بذلك فأشاروا جماعة من الأمراء على السلطان بعمل المصلحة في أمر الصلح، فوقع الرأي على ذلك، فسلمهم صاحب سيس إليهم ثلاث قلاع وهم: بهنسا، ومرعش، وتل حمدون، فحصل بذلك للمسلمين غاية الخير.
ثم إن السلطان أقام بدمشق إلى مستهل رجب، ثم توجه إلى نحو حمص، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام، فلما عزم على الرحيل قبض على الأمير مهنا بن عيسى وعلى أخوته، وولى الأمير علي بن حديثة عوضا عن مهنا بن عيسى.
(١) قلعة حصينة في غربي الفرات مقابل البيرة بينها وبين سميساط بها مقام بطرك الأرمن خليفة المسيح عندهم ويسمونه بالأرمنية كتاغيكوس، وهذه القلعة في وسط بلاد المسلمين. (معجم البلدان ٤/ ٣٩٠).