فموتي في الوغى عيشي لأني … رأيت العيش في أرب النفوس (١)
فلما هرب الأشرف قانصوه من الأزبكية نزل المماليك الأجلاب الناصرية، وهم مشاه إلى عند الأزبكية، فأحرقوا بيت أمير كبير أزبك الذي بها، وأحرقوا الربوع الذي حوله، ونهبوا بيوت الناس الذين (٢) كانوا هناك، حتى نهبوا بسط الجامع والحصر الذي (٣) كانت بالجامع، والقناديل، ولا أبقوا من الأذى ممكن، فكان كما قيل:
فلما خرج الأشرف قانصوه، ومن معه من الأمراء والعسكر، توجه على جرايد الخيل، وقصد نحو غزة، وكان الأمير أقبردي الدوادار لما مسك الأتابكي تمراز من باب السلسلة كما تقدم، فاختفى الأمير أقبردي في القاهرة مدة، فلما حضر الأمير أقباي نائب غزة إلى القاهرة، فأقام بها مدة، ثم رجع إلى غزة.
فلما خرج من القاهرة، خرج معه الأمير أقبردي في الخفية، وأقام بغزة، والتف عليه من العربان والعشير جماعة، وحضر إلى عنده الأمير أينال باي نائب [٢٤٧/ ١] طرابلس، فلما انكسر الأشرف قانصوه، وتوجه إلى نحو غزة، فتلاقى هو والأمير أقبردي هناك على خان يونس، وكان الأمير أقبردي قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، باتفاق من الأتابكي قانصوه خمسمائة قبل أن يوثب على السلطان، فما شعر إلا وقد تلاقي هو وقانصوه خمسمائة هناك، فحصل بينهما وقعة عظيمة هناك، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر بعد هذه الحركة الثانية.
فأنه لما كان يوم السبت تاسع عشرين جمادى الآخر من سنة اثنتين وتسعمائة حصل بين المماليك وبين الأمراء تشاجر في الحوش السلطاني، وسبب ذلك أن المماليك قالوا للأتابكي تمراز والأمراء:"غيروا لقب السلطان الملك الناصر وسموه الملك الأشرف على اسم أبيه"، فقال لهم الأمراء: "وكيف يكون ذلك بعد ما خرجت عدة مناشير ومربعات باسم الملك الناصر، وأشيع ذلك في البلاد
(١) بحر الوافر؛ والبيت لأبي الطيب المتنبي. (المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي ٥/ ٤٨). (٢) كذا في الأصل، والصواب "الذين". (٣) كذا في الأصل، والصواب "التي". (٤) بحر الكامل؛ والبيت لمحمد بن شرف. (المختار من شعر شعراء الأندلس ٦٧).