وفي هذه السنة: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، وأخفى ذلك عن العسكر، وخرج بعد شيل المحمل من بركة الحاج بيومين، وكان أمير المحمل في تلك السنة المقر الصاحبي خشقدم الزمام، فلما وصل السلطان إلى مكة نزل في مدرسته التي أنشأها عند باب السلام، وكان معه بعض أمراء عشراوات، وجماعة من الخاصكية، والشيخ برهان الدين ابن الكركي الإمام، فلما قضى توجه إلى المدينة الشريفة، وزار قبر رسول الله ﷺ، وفرق على أهل المدينة جملة مال.
ثم قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فدخل إليها قبل مجيء الحاج بثمانية أيام، فنزل في قبة الأمير يشبك التي في المطرية، فمد له الأتابكي أزبك هناك مدة عظيمة، ثم دخل إلى القاهرة في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه بيد الأتابكي أزبك، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، وفرشت له الشقق الحرير من عند مدرسة أم السطان التي في التبانة إلى القلعة، وبيض له خوند الحوش السلطاني، ودهاليز القلعة.
فلما طلع إلى القلعة مد له الأمير يشبك الدوادار هناك مدة عظيمة أعظم من مدة الأتابكي أزبك، ودخل إلى السلطان تقادم عظيمة من أعيان الناس، والمباشرين، ولما رجع من الحجاز الشريف فهنأه الشهاب المنصوري بهذه القصيدة، فمنها:
قدم السرور بمقدم السلطان … من حجه المقبول بالرضوان
فدعاؤنا ببقائه في نعمة … وسلامة فرض على الأعيان
لما نوى حجا ولبي محرما … عم الأمان مراتع الغزلان
حظيت به أم القري مذ زارها … واشتاقه مصر أبو البلدان
والكعبة افتخرت وودت أنها … في خد دولته من الخيلان
لو أنها علقت لخرت حرمة … الله ساجدة على الأدقان
ولسلمت جهرا عليه وأبذلت (١) … سر السلام عليه بالإعلان
فتطوف (٢) الملك الهمام بها إلى … سبع ولولا الحد زاد ثمان
وصفا له قلب الصفا والمروة استر … قت به مرقي بنى مروان
(١) في الأصل "أبدلت". (٢) في بدائع الزهور ٣/ ١٦٣ وجواهر السلوك ٣٦٢: "فاطوف".