لما رعى مدنه درت حوافلها … حتى تقاربت الشهباء منه حلب
سرى بطاير سعد رأسه ظفر … له النجاح جناح والحفاظ ذنب
فكان لما سرى البرهان يرشده … بحسن لقط أحاديث له وأدب (١)
ثم توجه السلطان من حلب إلى الشام، فحصل له مرض في أثناء الطريق، فدخل إلى الشام وهو في محفة من شدة العارض الذي حصل له في الطريق، ثم تعافى لما دخل إلى دمشق، وجلس في القصر الذي في الميدان، وحكم بين الناس.
وفي مدة إقامته بدمشق تغير خاطره على القاضي قطب الدين ابن الأخيضري كاتب سر الشام، وأخرق به، وأخذ منه جملة من المال (٢).
وفي مدة توعكه بالشام أشيع بموته في القاهرة، واضطربت أحوال الديار المصرية بسبب ذلك، وكثر القال والقيل بين الناس، ثم بعده مدة يسيرة حضر خاصكي من عند السلطان، يقال له برد بك سكر، وعلى يده مثالات شريفة إلى سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وإلى الخليفة، والقضاة الأربعة، والمباشرين، يخصهم فيها بالإسلام (٣)، ويذكر ما قد وهب الله تعالى له من العافية، وقد حصل الشفاء، وزال ذلك العارض عنه، وقد عزم على التوجه إلى الديار المصرية، فعند ذلك فرح الناس، وبطل القال والقيل، ودقت البشائر، وأخلعوا الأمراء على برد بك سكر الخلع السنية، وفي ذلك يقول المنصوري:
بعافية السلطان مولى الأنام … قد تهلل وجه الدهر فهو جميل
وقد صحت الدنيا لصحة جسمه … فليس بها غير النسيم عليل (٤)
ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن السلطان قد وصل إلى قطيا، فخرج الأمراء قاطبة إلى ملتقاه، فلما دخل إلى القاهرة كان له يوم مشهود، وزينت له المدينة، فدخل من باب النصر وشق المدينة، والأتابكي أزبك حامل القبة والطير على رأسه، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، وفرشت له الشقق الحرير من التبانة إلى القلعة، والقضاة الأربعة قدامه في الموكب، [أ/ ٢٢٨] والرؤوس النوب، والخاصكية مشاه بين يديه، وكان في طلبه كجاوتين زركش، والجنايب على
(١) بحر البسيط؛ لم يرد ذكرهم في بدائع الزهور. (٢) الخبر لم يرد في بدائع الزهور. (٣) كذا في الأصل، ولعله يقصد "السلام". (٤) بحر الطويل.