عن بلادهم، ولا يقيم بها؛ فطلب السلطان الأمراء، واستشارهم في ذلك، فأشاروا عليه بإرسال أطلمش إلى تمرلنك، فعين السلطان قانباي النوروزي خشداش سودون بقجه، وعين الشهابي أحمد بن غلبك من أمراء حلب بأن يتوجها إلى تمرلنك، وصحبتهما أطلمش المذكور بعد أن أكساه السلطان كسوة فاخرة، وأحسن إليه غاية الإحسان، فلما وصلوا إلى تمرلنك، فأكرم قانباي النوروزي والشهابي أحمد بن غلبك، ولما قرأ مراسيم السلطان بكى تمرلنك، وتغارش، وقال:"السلطان ولدي، وهذا الذي جرى كان مقدر من الله تعالي"، وكان تمرلنك من حين خرج من دمشق، وهو ضعيف من الجمرة التي طلعت له في جسده، وقد صارت ترعى في بدنه (١) واشتغل بنفسه.
وقيل: أن تمرلنك مع هذه السطوة العظيمة، كان أعرج بوركه الأيمن، وكان إذا ركب حمل على أكتاف الرجال، حتى يركب لعجزه، كما قيل في ذلك:
رزق الضعيف بعجزه … فاق القوي الأغلبا
فالنسر يأكل جيفة … والنحل يأكل طيبا (٢)
فلما حضر أطلمش إلى عند تمرلنك أطلق الأسرى (٣) الذي (٤) كانوا عنده كما قرر مع السلطان، ثم إن تمرلنك أرسل صحبة قانباي النوروزي هدية إلى السلطان، صحبة الخواجا مسعود الكججاني، ومن جملة الهدية فيل عظيم الخلقة، وعلى ظهره صندوق خشب يجلس فيه نحو عشرة أنفس، يضربون بالكوسات، وأرسل مع الفيل أشياء جليلة غير ذلك، فلما دخل الفيل إلى القاهرة تعجب أهل مصر من خلقته، وصوروا مثله في العلاليق، وقد قال القائل في المعنى:
قد صوروا الفيل الكبير … حلاوة وله طلاوة
ما قولكم في معشر … الفيل عند هم حلاوة (٥)
فدخل قانباي النوروزي إلى القاهرة، وعليه خلعة مخمل، وعلى رأسه التاج الذي أخلعهم عليه تمرلنك، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، ولما
(١) في الأصل "بذنه". (٢) بحر مجزوء الكامل. (٣) في الأصل "الأسراء". (٤) كذا في الأصل، الصواب "الذين". (٥) بحر مجزوء الكامل؛ لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.