للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يساق عليهم بالخيل، فساقوا عليهم بالخيل حتى ماتوا أجمعين، فلما رجع تمرلنك فلاموه أصحابه على ذلك، فقال: "ما أخذتني عليهم رحمة"، وكان يقول: "أنا غضب الله في أرضه، يسلطني على من يشاء من خلقه"، فكان حال أمر الأطفال، كما قيل:

وجرم جره سفهاء قوم … فحل بغير جانيه العذاب (١)

ولما رحل تمرلنك عن دمشق صار من بقي من الأمراء، والمماليك السلطانية، ومماليك الأمراء، يجتمعون ويترافقون، حتى يتوجهوا إلى نحو الديار المصرية، فتخرج عليهم الغربان والعشير، فيجرى عليهم من العربان والعشير ما لا جرى عليهم من تمرلنك، فيعروهم، ويأخذون جميع ما معهم، ولم يتركوا لهم غير اللباس في وسطهم، وكان أكثرهم يجئ من البحر المالح من على السواحل حتى يدخلوا إلى مصر، وقد ذهبت حرمة المملكة، وتبهدل السلطان في هذه الحركة إلى الغاية، وصار العسكر يدخلون إلى القاهرة في أنحس (٢) حال فصار السلطان يعطي لكل مملوك جامكية شهرين، وينعم عليه بألف درهم خارجا عن الجامكية، لترقع أحوال العسكر.

ثم إن السلطان الملك الناصر فرج قوي عزمه على أنه يسافر إلى الشام ثاني مرة، فعلق الجاليش السلطاني، ورسم بأن يؤخد من بلاد السلطان، والأمراء، والجند، عن عبرة كل ألف دينار أو فرس أو ثمنها خمسمائة درهم.

ورسم بأن يؤخذ من أملاك القاهرة، وضواحيها من كل ملك أجرة شهر واحد؛ وعن الرزق عن كل فدان عشرة دراهم، وعن البساتين عن كل فدان مائة درهم، وفتحوا من هذه الأبواب أنواع المظالم.

ثم اقترضوا من أموال التجار والأيتام فصاروا يكبسون الفنادق بالليل، فإن كانوا أصحاب الأموال من التجار موجودين، فيأخذون من أموالهم النصف، ويتركون لهم النصف، وإن كان صاحب الحاصل غائب، فيفتحوا مخزنه، ويأخذوا جميع ما فيه من ذهب وفضة، وفلوس.

ثم أخذوا من أوقاف الجوامع، والمدارس، والخوانق والمساجد، حتى من أوقاف البيمارستان أجرة أملاكه عن شهر واحد، فحصل بذلك لأهل مصر الضرر الشامل، وكان المتكلم في أمر ذلك الأمير يلبغا السالمي أستادار العالية.


(١) بحر الوافر؛ البيت للمتنبي. (انظر: خاص الخاص ٢٦).
(٢) في الأصل "أتحس".

<<  <   >  >>