ثم في يوم الخميس طرحوا (١) النار في مدينة دمشق، حتى لقد صارت من شدة السعير، ترمى بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر (٢)، وقد بقيت دمشق ليس بها جدار قائم، وقد اخترق جامع بني أمية، وزالت سقوفه (٣)، وأبوابه، وتفطر رخامه، ومحيت آثاره، وحرقوا غير ذلك جوامع كثيرة، ومساجد، ومدارس، ومشاهد، ومساكن جليلة، حتى أحرقوا الحمامات، والقياسر، والأسواق، والحارات، وقد أضحت دمشق بعد البهجة والسرور والنضرة والحبور أطلالا بالية، ورسوما خالية، وقد خوت على عروشها، واقفرت من زخرفها ونقوشها، لا ترى فيها دابة تذب، ولا حيوان يهب، سوى جثث قد احترقت، وصور قد تعفرت، وقد صارت تكسى من الذباب ثوبا، ومغنما للكلاب نهبا، لا يستهدي اللبيب إلى داره، ولا يفطن الذكي إلى معرفة مزاره، كما قيل في المعنى:
وأمر بالأوطان والسكن الذي … قد كنت أعهده بخير وافري
لم ألق غير البوم فيها ساكنا … تباله من طير نحسن واكري (٤)
فإنا لله وإنا إليه راجعون لعظم هذه المصائب، وشناعة هذه النوائب، فكم توقظنا حوادث الأيام، ونحن في ليل الغفلة نيام، فلا تعتبر بهذه الأخبار، ولا نرجع عن ذنوبنا مع الإصرار، وقد قال القائل في المعنى:
تراع بذكر الموت ساعة ذكره … ونعرض للدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنوا الدنيا خلقنا لغيرها … وما كتنت منه فهو شي محبب (٥)
فلما كان يوم الجمعة أخر رجب رحل تمرلنك عن دمشق، بعد ما فعل ما فعل، فكانت مدة إقامته في دمشق إلى أن رحل عنها نحو ثمانين يوما، منها مدة استيلائه على البلد تسعة وعشرين يوما.
وقيل: أن تمرلنك لما أراد أن يرحل عن دمشق فجمعوا له أطفال المدينة، ما بين ابن شهر إلى ابن خمس سنين ممن أسرت أمهاتهم، فركب تمرلنك، وأتى إليهم في مكان خارج عن المدينة، فوقف ساعة، وهو ينظر إليهم، ثم أمر بأن
(١) في الأصل "طرجوا". (٢) متأثرا بالآية الكريمة: ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر ٣٢ كأنه جملت صفر ٣٣﴾ (المرسلات: ٣٢ - ٣٣) (٣) في الأصل "سقوقه". (٤) بحر الكامل. (٥) بحر الطويل؛ لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.