للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلما مثلت بين يديه، قال لابن مفلح: "بقي عليك أن تجمع أموال التجار الغائبين، وغيرهم من أعيان البلد"، فجمعوا له ذلك وأحضروه بين يديه، قال لابن مفلح: "بقي عليك أن تجمع لنا كل دابة في البلد من فرس، وبغل وحمار، وجمل".

فلما رجع ابن مفلح من عنده جمع كل دابة في البلد، فكان عدتها ما يزيد على اثني عشر ألف دابة، فحصل لأهل دمشق في هذه الحركات مشتقات عظيمة، وبهدلة زائدة، وضرب بسبب استخراج الأموال، فلما أحضرت تلك الدواب بين يدي تمرلنك، قال لابن مفلح: "بقي عليك أن تجمع لنا كل آلات السلاح التي في البلد جليلها وحقيرها وكبيرها وصغيرها"، فجمعوا له ذلك، فلما أحضروه بين يديه، قال لابن مفلح: "بقي عليك أن تكتب لنا أسماء حارات دمشق وخططها وسككها في أوراق"، فكتب له ذلك وأحضره إليه، فلما قدمت إليه تلك القوائم، وعلم أن الطلب قد انتهى، قبض على ابن مفلح وأصحابه وأسرهم، فكان حال ابن مفلح مع تمرلنك، كما قيل:

لا تركنن إلى الخريف فماؤه … مسترخم وهواه خطاف

يمشى مع الأجسام مشى صديقها … ومن الصديق على الصديق يحاف (١)

وقد قيل في المعنى أيضا:

إن الملوك ظروف الصبر داخلها … وفوق أفواهها شيء من العسل

تحلو لذائقها حتى إذا انكشفت … له تبين ما تحويه من دغل (٢)

ثم إن تمرلنك فرق تلك الأوراق على أمرائه، وتقاسموها، ثم دخلوا إلى المدينة، فعند ذلك طمت أمواج الآفات القبيحة، وعمت من الأنواع الشنيعة كل فضيحة، فنزل كل أمير من أمرائه في حارة، وطلب سكانها، فكان الرجل يقام على باب داره في أنحس (٣) هيئة، ويطالب بالمال الثقيل الذي لا يقدر على بعضه، فإذا امتنع من الوزن ضرب ضربا شديدا، فيخرج جميع ما في داره من قماش، وغيره حتى بناته، ونسائه، وعياله، فتوطا نسائه، وبناته (٤) بين يديه، وهو يشاهد ذلك، وتفتض أبكار بناته، ويلاط بولده بين يديه، فإذا قضوا من


(١) بحر الكامل؛ لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٢) بحر البسيط.
(٣) في الأصل "اتحس".
(٤) في الأصل "بتاته".

<<  <   >  >>