والنهي متى لم يخش ضرراً بسبب ذلك، وقد رأى من الحكام جوراً ولو على العوام، تعين عليه الإنكار والنهي.
فهو إذا علم أنَّ الأمر والنهي لا يجدي، فهل سقط عنه الأمر والنهي، أم لا؟
الأول: مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه.
والثاني: مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه.
ووقع تمثيل العوام بالأفاعي في كلام عيسى عليه السلام.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: دخل عيسى بن مريم عليهما السلام بيت المقدس وهم يتبايعون فيه، فجعل ثوبه مخراقاً، وسعى عليهم ضرباً، وقال: يا بني الحيات والأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقاً (١)؟
قلت: وأما أزمنتنا هذه فالعامة فيها لا ترضى بالبيع والشراء في المساجد، بل يجعلونها مجتمعاً لأخذهم وعطائهم، ومجادلاتهم وخصوماتهم، وفي كثير من القرى الآن يجعل المسجد سجناً لأهل تلك القرية، فإذا كانوا في الصلاة خصوصاً يوم الجمعة قَعَدَ جباة الظلم والمكس عند باب المسجد وحبسهم فيه، فلا يدع خارجاً يخرج حتى يُعطي الجريمة المفروضة عليه عن يدٍ وهو صاغر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.