أَشبُّ وأَوعى للحديث مني، فانطلقَ بنا حتى أَتينا نصرَ بن عاصم اللَّيثي، فقال: حَدِّثْ هذَينِ حديثَك، قال نصرٌ: حدثنا عُقْبةُ (١) بن مالك - وكان من رَهْطه - قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ سَرِيَّةً فأَغاروا على قوم فشَذَّ رجل من القوم فأتبَعَه رجل من السَّرِيّة معه السيفُ شاهرٌ، فقال الشاذُّ من القوم: إني مسلم، فلم يَنظُرْ فيها، فضربه فقتله، فنُمِيَ الحديثُ إلى رسول الله ﷺ، فقال قولًا شديدًا، فبلغ القاتلَ، فبينما رسول الله ﷺ يَخطُبُ إذ قال القاتل: يا رسول الله، والله ما قالَ الذي قال إلّا تعوُّذًا من القتل، فأَعرَضَ عنه رسولُ الله ﷺ وعمَّن قِبَلَه من الناس، وأخذ في خُطْبته، ثم قال الثانيةَ: يا رسول الله، والله ما قال الذي قال إلَّا تعوُّذًا من القتل، فأعرضَ عنه رسولُ الله ﷺ وعمَّن قِبَلَه من الناس، وأَخذ في خُطْبته، ثم لم يَصبِرْ أن قال الثالثةَ: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلّا تعوُّذًا من القتل، فأقبلَ عليه رسول الله ﷺ تُعرَفُ المَسَاءةُ في وجهه، ثم قال:"إنَّ الله ﷿ أَبَى عليَّ من قتلَ مؤمنًا"؛ قالها ثلاثًا (٢).
هذا حديث مخرَّج مثلُه في "المسند الصحيح" لمسلم، فقد احتجَّ بنصر بن عاصم الليثي وسليمان بن المغيرة، فأما عُقْبة بن مالك اللَّيثي فإنه صحابي مُخرَّج حديثه في كتب الأئمة في الوُحْدان، وقد بيَّنتُ شَرْطي في أول الكتاب بأني أُخرج حديث الصحابة عن آخرهم، إذا صحَّ الطريقُ إليهم.
وقد تابع يونسُ بنُ عُبيد سليمانَ بن المغيرة على روايته عن حُميدٍ على شرط مسلم:
(١) تحرَّف في المطبوع إلى: عتبة. (٢) إسناده صحيح إن كانت رواية المصنف محفوظة بذكر نصر بن عاصم. فقد أخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٤٩٠)، والنسائي (٨٥٣٩)، وابن حبان (٥٩٧٢) من طرق عن سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد - ووقع عندهم: بشر بن عاصم، بدل نصر بن عاصم، وهما أخوان، وكلاهما لا بأس به ونصر أوثقُهما. قوله: "أبى عليَّ" أي: استغفرتُ للقاتل فأبى عليَّ مغفرته، وما استجاب لي فيه. قاله السندي في حاشيته على "مسند أحمد".