للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الظاهري، المشرف على الميادين، المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبب الغمام المؤزر بديباج الرخام، وسقوفه تنقط ذهبا، وتشعل فحمة الليل لهبا، والشاذروان (١) قد علقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضة، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة (٢) تتلقى ذلك الصّب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النّهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء القمر، فلما حميت به الحميّا، ابتدر وقال قصيدة في صفة الخمر، أنست أبانواس، وشغلت كل الحواس، ومنها قوله (٣):

ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا … في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب

لا تأسفنّ على مال تمزّقه … أيدي سقاة الطلا والخرّد العرب

فماكسوا راحتي من راحها حلّلا … إلا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا

راح بها راحتي في راحتي حصلت … فتمّ عجبي بها وازداد لي العجب

إذ ينبع الدرّ من حلو مذاقته … والتبر منسبك في الكأس منسكب

وليست الكيميا في غيرها وجدت … وكلّ ما قيل في أبوابها كذب

قيراط خمر على القنطار من حزن … يعود في الحال أفراحا وينقلب

عناصر أربع في الكأس قد جمعت … وفوقها الفلك السيّار والشّهب

ماء ونار هواء أرضها قدح … وطوقها فلك والأنجم الحبب

ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل … بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب


(١) الشاذروان: معرب من الفارسية مرتفع في حائط من الرخام، انظر شفاء الغليل ١٦٣ وقصد السبيل ١٧٩: ٢.
(٢) النوفر والنيلوفر: ضرب من الرياحين ينبت في المياه الراكدة واللفظة اعجمية.
(٣) فوات الوفيات ١٥: ٤، وأعيان العصر ١٨: ٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>