سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لَا يُرَى لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ مَدْحًا إِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا، وَلِأَنَّ الْمَعْدُومَ (١) أَيْضًا لَا يُرَى، وَالْمَعْدُومُ لَا يُمْدَحُ، فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَا مَدْحَ فِيهِ.
[وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ثُبُوتًا لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، فَلَا يَمْدَحُ الرَّبُّ نَفْسَهُ بِهِ، بَلْ وَلَا يَصِفُ نَفْسَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَصِفُهَا بِالنَّفْيِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى ثُبُوتٍ، كَقَوْلِهِ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} ، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سُورَةُ سَبَأٍ: ٣] ، وَقَوْلِهِ: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [سُورَةُ ق: ٣٨] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ، وَأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ، مِثْلَ كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَمِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَهِدَايَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدَمًا مَحْضًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ يُرَى، فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ: لَا يُدْرَكُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا لَا يُدْرَكُ لِعَظَمَتِهِ لَا لِعَدَمِهِ] (٢) .
[وَإِذَا (٣) كَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْإِدْرَاكَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (٤) لَا يُحَاطُ بِهِ
(١) ب، أ: لِأَنَّ الْمَعْدُومَ ; ن، م: وَلِأَنَّ الْعَدَمَ.(٢) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) (م) .(٣) ب، أ: وَإِنْ.(٤) وَتَعَالَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute