إنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عندَ قُدُومِهِ بِشىءٍ قبلَ الرَّمْىِ، فإنَّ الرَّمْىَ (١) تَحِيَّةٌ له، كما أنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، فلا يَبْدَأُ بِشىءٍ قبلَه. وكان ابنُ عمرَ يَأْخُذُ الحَصَى مِن جَمْعٍ، وفعَله سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وقال: كانوا يَتَزَوَّدُونَ الحَصَى من جَمْعٍ. واسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ، قال: خُذِ الحَصَى مِن حَيْثُ شِئْتَ. وهو قولُ عَطاءٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو أَصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَدَاةَ العَقَبَةِ، وهو على نَاقَتِه:"الْقُطْ لِى حَصًى". فَلَقَطْتُ له سَبْعَ حَصَيَاتٍ من حَصَى الخَذْفِ، فجَعَلَ يقْبضُهُنَّ في كَفِّه، ويقولُ:"أمْثَالَ هؤُلَاءِ فَارْمُوا". ثم قال:"أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ والْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ فِي الدِّينِ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٢). وكان ذلك بِمِنًى، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه أخْذُه مِن حيثُ كان، والْتِقَاطُ الحَصَى أوْلَى من تَكْسِيرِه؛
(٣) تقدم تخريجه في صفحة ٢٧٧. (١) في أ، ب، م: "الرمية". (٢) في: باب قدر حصى الرمى، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٠٨. كما أخرجه النسائي، في: باب التقاط الحصى، من كتاب المناسك. المجتبى ٥/ ٢١٨. والإِمام أحمد، في: المسند ١/ ٢١٥, ٣٤٧.