إلى قيسارية ما هو مشهور وكسر عليها طائفة من رؤوس التتار، ثم عاد ولم يقر له بها قرار، بعد أن جلس على تخت آل سلجوق ولبس التاج وضرب باسمه الدينار والدرهم، واستبشرت به أهل تلك الدار لكنه خاف عاقبة لموافقة طالع الوقت لنجم سعدهم، ورجم ضدّهم ولم يكن قد آن الجمرتهم أن يخمد لهبها، ولا الجداول سيوفهم أن تجمد عليها قربها، فاستمرت أيدي المغل عليها واضمحل ملك آل سلجوق حتى سقط من يديها فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها وأمسكت آخر رمقها، ودارت طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه وبقي منهم من يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليهم ولا يخرج شيء من يديه واستمرت أحوالهم معهم من الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة الجنكز خانية أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، ونبتت في مغارس الاستمرار أيامهم.
ومنذ غلبوا على الروم كاتبوا ملوك مصر (١) واتخذوهم ظهرًا، وعدوهم لحوادث الأيام ذخرًا، حتى إن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه فكتب له وجهز إليه بالصناجق (٢) والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلى والحصان المركوب والجنائب وهم إلى يومنا هذا أهل ود وصفاء وحسن عهد ووفاء ولكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارًا وأخذ بهما الأمرة والإقطاع، وجرى فيهما تحت حكم الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع عن مصر والشام والمكاتبات واردات و صادرات والهدايا مقيمة وسائرات، ومع هذا كله كل واحد منهم بما آتاه الله من فضله.
ونحن الآن نذكرهم على التفصيل ونكتفي بالقليل، وها نحن نشرح حال كل
= حوله المكتبة الظاهرية. ولمحمد جمال الدين كتاب الظاهر بيبرس وحضارة مصر في عصره - ط. ترجمته في فوات الوفيات ١/ ٨٥ والنجوم الزاهرة ٧/ ٩٤ وابن إياس ١/ ٩٨ و ١١٢ وفيه اسم أبيه بركة خان وابن الوردي ٢/ ٢٢٤ ووليم موير ٤١ والنعيمي ١/ ٣٤٩ والسلوك للمقريزي ١/ ٤٣٦ - ٦٤١ وسوبر نهيم M.Sobernheim في دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٣٦٣ وهو يذكر مولده سنة ٦٢٠ هـ، الأعلام ٢/ ٧٩. (١) يقصد مكاتبات بركة خان إلى الظاهر بيبرس والتي بدأت سنة ١٢٦٢ م. (٢) الصناجق جمع مفرده صنجق أو سنجق وهو اللواء وحاكم اللواء.