للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أيام ملوك الأتراك، ونعلل (١) فيها دماؤهم حتى مات وقبر هناك ثم نذكر الدولة الأموية ونصلها بمن دخل الأندلس وكان بها حتى انكدر أفقهم وطمس، وهوى منهم الرفيع ودرس، إن في ذلك لعبرة، وإن فيه لما يجري للعبرة، وهي عوائد عوادي النوب، وأخمدت نار كسرى، ورَمَتْ تاج قصر قسرا، وأماتت أفراسياب على شاطئ النهر قهرا، أذلّت عزة بني عبد المدان، وحطت تخت تبع من رأس غمدان، وكان الأول في ذكر سكان الأرض أن نقدم في صدر الملة الإسلامية هذه الدولتين ونعزل مما أفاق لآل عبد مناف الذروتين، لأن أهل هاتين الدولتين من بني أمية ثم من بني العباس هم الخلفاء حقًا بعد الراشدين وصدقًا لولا كذب ادعاء المعاندين، وقد ذكرنا سكان الأرض، وهذا الاسم أصدق ما أطلق على الخلفاء لقوله : «لا زال هذا الأمر في قريش ما بقي بينهم لسان» (٢) فهذا نص على أنهم ولاة أمر الناس، وجميعهم لهم أتباع، وإذا كان هذا الأمر لقريش، فلا بد أن يكون منهم واحد يجمع أمرهم، وهو الإمام، وما من البشر مطيعهم وعاصيهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا مأموم به، وإن كان منهم عصاة أو خالع لربقة الطاعة فإنه يلزمهم حكمه بشريعة الدين وعقيدة الإسلام، ولا يقدر يخالف في هذا أحد من المسلمين، ولا ينازع مؤمن إنه داخل في إمرة المؤمنين، فحينئذ الأئمة هم سكان الأرض وبقية من فيها ضميمة إليهم أو كالضميمة، وعلى هذا الرأي بينا هذه القسم من أوله وبينا كثيرًا من تفاصيله وجمله، فذكرنا ما نقل إلينا مما كان من بدء الخلق، ومَنْ كان في زمان كل من الأنبياء صلوات الله عليهم، والملوك المؤمنين والكفار، فإن قال قائل: فلم ذكرت الملوك قبل الاسلام مع وجود الأنبياء، ومن أولئك الملوك كفار، لا بل غالبهم ولم نذكرهم مع الخلفاء، والأنبياء أعلى درجة من الخلفاء وملوك الإسلام خير من ملوك الكفار؟ فالجواب: أن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة ولا تتعدى دعوته مكان بعثته، والأرض مملوءة بالملوك، ومنهم مَنْ لم يرسل في ذلك الوقت إليه ولا إلى قومه، فاحتجنا أن نذكر الملوك لهذا السبب، إذ كنا بصدد ذكر سكان الأرض، وليس في أولئك الأنبياء مَنْ له دعوة عامة، فإذا ذكر هو وخليفة اكتفى به عن سائر الناس، ونبينا دعوته عامة، فإذا ذكر هو وخليفته اكتفى به عن سائر الناس، كما قال تعالى مخاطبا عنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ


(١) كذا في الأصل وواضح أن كلمة أو كلمات سقطت سهوًا بعد كلمة الأتراك فاختلط المعنى.
(٢) لم يرد هذا الحديث في كتب الصحاح.

<<  <  ج: ص:  >  >>