جميعًا﴾ (١) فلما كانت دعوته عامة كانت دعوة خلفائه عامة، فلهذا لم يبق مقتض لذكر أحد معهم، فإن قال: كيف تتكلم في سكان الأرض، وإنما أنت تتكلم في واحد منهم؟ فالجواب أنا لو أردنا ذكر الناس رجلًا رجلًا لأردنا ما ليس في الأمكان وإنما إذا ذكرنا الخلفاء نكون كأنا ذكرنا كل سكان الأرض، لأنهم نواب الله في أرضه، وخلفاء نبيه محمد ﷺ في أمته، وهو المبعوث إلى الأسود والأحمر، والقاصي والداني، وهم القومة بدينه، والدعاة بدعوته العامة، وجميع أهل الأرض ملزومون بها، من آمن منهم أو كفر، فلهذا أوجب إفرادهم بالذكر، وأُطلق على الجزء منهم اسم الكل وبالله التوفيق.
وأما الملوك شكر الله عن الإسلام سعيهم، وبوّأهم المغفرة والرضوان، فإنه سيأتي ذكرهم في قسم التاريخ، وهو أمس بهم لأنه أكثر ما دار على ذكر أيامهم، ونوب الدهر بينه، وفيهم مَنْ جاهد في الله وقاتل في سبيله، وسهد جفونه في جهاد أعدائه، وأغَصَّ الكفر وأماتَهُ بدائه، وضارب حتى ملّت السيوف مضاربها، وكرهت الخيل الماء وعافت بالدماء مشاربها، وحامى عن ورائه وأمامه، وواصل طلائع راياته وآرائه، وأعملوا سيوفهم وأقلامهم في تمهيد البلاد، وتوطيد الملك، ناضلوا وناضروا وجالدوا وجادلوا وفعلوا ما قدرت عليه مكنة هممهم وظفرت به أيدي مطالبهم، وسيروا السرايا الإفاضة هذه الدعوة النبوية وإفاءة الأرض بظلال عصائبها المحمدية. وسنذكر من هذا مما نثبته في موضعه ونبينه في مواضعه، ونبيع زهره لمطالعه وزَهره بمطالعه، ونشرح به صدر رائيه وقارئه وسامعه، فأما ما ذكرنا من بني إسماعيل فإنما أردنا به في النسب الشريف النبوي زاده الله شرفًا اتصال سببه، وإيضاح كيف كان نور مظهره، ليعرف تقدم أيامه في النسب اللباب، وخروج درته اليتيمة من قرارة ذلك البحر العباب.