وهم أضرّ طائفة خرجت على بني العباس، بل شرّ دولة خرجت للناس، أَخَذَهم الله بمكرهم وواخذهم بكفرهم، ولكن بعد حروب شمرت عن ساقها، وأثمرت برؤوس لم تتصل بأعناقها، ثم الكفرة الملاعين، والأعادي الطواعين، بئس الملة، وسوس الأمة، كانوا على ذهاب هذه الملة أحرص من خوافي النمل، وفي تعطيل منابتها اشدّ من سوافي الرمل، ما زالوا في مسارب الملك كالأفاعي ساعين، وإلى غير كلمة الحق كالنواقيس داعين، والصقوا بهذا البيت الطاهر (٢)، دعوتهم، وألقوا في هذا الفناء الشريف عقوتهم (٣)، وبينهما من البون مثل ما بين الفساد والكون، وإنما ذكرهم هنا لادعائهم كما ذكرت الزنجي. على أنهما كسراب بقيعة، أو كظلمات في بحر لجي.
كان ظهور هؤلاء بسواد الكوفة سنة ثمان وتسعين (٤) ومائتين، في السنة التي مات فيها الموفق، اسمه الفرج زكرويه بن يحيى ويُدعى بقرمط (٥)، أصله من بصرى الشام، وإنما قال الخراساني، ويكنى بأبي زكرياء منهم بالنهروان (٦) فأظهر الزهد
(١) خَلَط المؤلف بين قرمط وزكرويه واعتبرهما واحدًا. أما قرمط فاسمه على الاغلب حمدان بن الأشعث، وهو الذي سكن سواد الكوفة ونجح في استقطاب الناس إلى دعوته وأما زكرويه فهو على ما ذكرته المصادر زكرويه بن مهروية. احد دعاة قرمط وخليفته، احتجب مدة حين تحرج موقفه من أنصار عبدان الذي اغتاله زكرويه، ثم ظهر وحارب جيوش المقنفي العباسي، وأرسل ابنه داعيا إلى الشام فنجح في دعوته حتى إنه حاصر دمشق وستأتي أخباره، وأما زكرويه فقد قتل في معركة وقعت بالقرب من خفان من أعمال القاسية. انظر: تاريخ الطبري في مواضع متفرقة من الجزء العاشر، وكامل ابن الأثير في مواضع متفرقة من الجزء السابع والموسوعة العربية الميسرة ص ٩٢٥. (٢) يريد به البيت العلوي، إذ كانوا يدعون إمامة اسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق ﵇. وفي بعض المصادر أن زكرويه ادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، فقيل له: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن بقال له عبد الملك، فكفّ عن هذه الدعوى. انظر: اتعاظ الحنفا. (٣) في الأصل: قعولهم، والعقوة الموضع المتسع أمام الدار أو الملة، أو حولهما، ويريد بعقوتهم، موضع نزولهم. (٤) كذا في الاصل، والصواب: سنة ثمان وسبعين ومائتين، وهي السنة التي مات فيه الموفق وابتدأ ظهور القرامطة. (انظر تاريخ الطبري ١٠/ ٢٣). (٥) كذا في الأصل، وزكرويه غير قرمط، وإنما اختلف المؤرخون في اسم قرمط، قال بعضهم إنه حمدان. أما زكرويه فهو أحد دعاته وخليفته كما قدمت. انظر تاريخ الطبري ١٠/ ٢٣. (٦) كذا في الأصل وفي العبارة غموض.