وغيرها من البلاد الفراتية سنة خمس عشرة وثلثمائة، ثم عاود ما وراءه من البلاد فدثرها وأخذ منها أموالًا عظيمة أوسق (١) منها مائتين من الإبل وأوقرها، ثم دَخَلَ مكة المعظمة سنة سبع عشرة وثلثمائة (٢)، فقتل في الحرم وجوانب مكة من الحاج وغيرهم زهاء ثلاثين الفًا، واستحرّ القتل في الشعاب وقنن الجبال وبطون الأودية والظواهر حتى قتل أكثر من مائة ألف وسبى النساء والصبيان، ورَدَم زمزم بجثث رؤس القتلى، وفرش المسجد بأجسادهم وأخلى جمعًا ومعرفًا ومكة حتى (كأن) لم يكن من الحجون إلى الصفا، وقف على باب الكعبة وأنشد:[من الرمل]
أنا لله ولله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وذلك يوم الأحد سابع ذي الحجة، ثم رحل عنها في المنتصف، وحمل معه الحجر الأسود، وقناديل الكعبة، وكانت من ذهب وفضة وقرن كبش الذبيح وكان مغشى بالذهب مكللا بالجوهر والياقوت، وميزاب الرحمة، وكان وزنه ثلاثة قناطير من الفضة والدرة اليتيمة، وكان وزنها أربعة عشر مثقالًا، وكانت في جوف الكعبة، ثم لم يرجع من ذلك كله شيء إلا الحجر الأسود، فإنه أعيد إلى مكانه على ما أشير إليه، وكانت إعادته في خامس ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وكانت مدة غيبته عن البيت الحرام عشرين سنة (٣). ثم توجه هذا القرمطي اللعين بجيوشه من مكة إلى البحرين، فنزل الإحساء، وما أبقى فيما أساء، ثم ابتلاه الله بداهية في جسده فتقطعت أعضاؤه، ومات في السابع والعشرين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة (٤) وهو ابن ثلاثين سنة.
ثم قام بعده:
[٢٥] الأعصم (٥)، وهو الحسن بن أبي منصور أحمد بن ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي
ويكنى بأبي محمد وثار بالأحساء، وزحف لقتال المصريين وطردهم من المقام
(١) أوسق، حملها الوسق، الوسق مكيلة معلومة، وهي ستون صاعًا. (٢) انظر خبر دخول مكة في: اتعاظ الحنفا ١/ ١٨٢ وكامل ابن الأثير ٦/ ٢٠٣ ونهاية الارب ٢٥/ ٢٩٦ وتجارب الأمم (طبعة التمدن) ١/ ٢٠١ و تاريخ ابن الوردي ١/ ٣٦٠. (٣) انظر خبر ردّ الحجر الأسود في اتعاظ الحنفا ١/ ١٨٥ وكامل ابن الأثير/ ٦/ ٣٣٥ ونهاية الارب ٢٥/ ٣٠٣. (٤) كذا في الأصل ولعله من وهم الناسخ، وفي كامل ابن الأثير ٦/ ٣٩٩ وابن الوردي ١/ ٣٨٢ ونهاية الارب ٢٥/ ٣٠٣ إن أبا طاهر توفي سنة في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. (٥) الحسن بن أحمد بن أبي سعيد القرمطي، انظر ترجمته وأخباره في: اتعاظ الحنفا ١/ ١٨٦ ونهاية =