مكة، قام نفيل بين حبيب إلى جانب الفيل وأخذ بأذنه وقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه وترك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل. وضرب السواس الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا فقام يهرول، ووجهوه إلى مكة فبرك. وفي مبرك الفيل يقول أمية بن أبي الصلت (١): [من الخفيف]
إن آيات ربنا بينَاتٌ … لا يُماري بهُنَّ إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى … ظل يحبو كأنَّهُ معقور (٢)
وأرسل الله عليهم طيرا من البحر، الخطاطيف (٣) والبلسان (٤) مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه كالحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، فأصابت بعضهم، وتبادر بعضهم الهرب، وبقيت الحبشة تقول: أين نفيل؛ ليدلهم على الطريق؟ فقال نفيل:[من الوافر]
ردينة لو رأيت - ولا تريه … لدى جَنْبِ المُحَصَّب ما رأينا
إذا لعذرتني وحَمِدْتِ أمري … ولم تأسى على ما فات بينا
(١) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، قدم دمشق قبل الإسلام. وكان مطلعًا على الكتب القديمة، يلبس المسوح تعبدًا. وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية. ورحل إلى البحرين فأقام ثماني سنين ظهر في أثنائها الإسلام، وعاد إلى الطائف، فسأل عن خبر محمد بن عبد الله ﷺ فقيل له: يزعم أنه نبي. فخرج حتى قدم عليه بمكة وسمع منه آيات من القرآن، وانصرف عنه، فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه، فقال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه؟ فقال: حتى أنظر في أمره. وخرج إلى الشام. وهاجر رسول الله إلى المدينة، وحدثت وقعة بدر، وعاد أمية من الشام؟، يريد الإسلام، فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له، فامتنع. وأقام في الطائف إلى أن مات سنة ٥ هـ/ ٦٢٦ م، أخباره كثيرة، وشعره من الطبقة الأولى، وعلماء اللغة لا يحتجون به لورود ألفاظ فيه لا تعرفها العرب. وهو أول من جعل في أول لكتب: باسمك اللهم. فكتبتها قريش. قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر ابن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب. ترجمته في: خزانة الأدب ١/ ١١٩، وتهذيب ابن عساكر ٣/ ١١٥، وسمط اللآلي ٣٦٢، وجمهرة الأنساب ٢٥٧، والأغاني طبعة دار الكتب ٤/ ١٥، والخميس ١/ ٤١٢ وفيه وفاته سنة ٢ هـ، وابن سلام ٦٦ وهو فيه: «أمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة، والبلخي ٢/ ١٤٤ وفيه قطعتان من شعره، والشعر والشعراء ١٧٦، وتهذيب الأسماء ١/ ١٢٦، الأعلام ٢/ ٢٣، معجم الشعراء للجبوري ١/ ٣١٦ - ٣١٧. (٢) شعره ٣٣٧ - ٣٣٨. (٣) الخطاطيف: جمع خطاف، وهو طائر أسود يقال له «زوار الهند» وهو الذي تدعوه العامة عصفور الجنة. (٤) البلسان: طيور الزرازير، لسان العرب ١/ ٣٤٣».