ثم وقف رسول الله ﷺ في الموسم يعرض نفسه على القبائل، ولم يكن أحد من العرب أقبح ردًا [عليه] من بني حنيفة (٢).
وأتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له: بَيْحَرة بن فِرَاس (٣): لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر الله يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: افتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، وقد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يابني عامر، هل لها من تلاف، هل لذناباها من مطلب، والذي نفس فلان بيده مايقولها إسماعيلي - قط - وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.
* * *
[[الفصل الثالث: الهجرة]]
ثم لقي رهطا من الخزرج، قال أنتم موالي يهود؟ قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: ياقوم، تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فصدقوه وقبلوا منه ماعرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مابينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين]، فإن يجمعهم الله [عليه] بك فلا رجل أعز منك.
(١) سورة الجن؛ الآيتان ١ - ٢. (٢) بنو حنيفة: حي من بكر بن وائل من العدنانية، وهم بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل نهاية الأرب» ص ٢٣٨. (٣) بيحرة بن فراس: انظر: السيرة لابن هشام ١/ ص ٤٢٤ - ٤٢٥.