الصلاة أعرض إلى الجهة التي يَعْلَمُها أو يظنّها، وإن تيقن بعد الفراغ أعاد، وإن ظهر وهو متلبس بالصلاة استأنف على الصحيح لخصت هذا عن كلام النواوي رحمه الله تعالى وزدت قولي والجبال والأنهار لتعاريجها.
قال ابن الشاطر (١): والذي ذكره النواوي وقالته الفقهاء في هذه البلاد التي جعلوا سَمْتَها واحدًا فيه نظر؛ وذلك لأنها مختلفة الانحراف؛ لأن الكوفة (محل) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وبغداد (نح ب) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وثلث همدان (له ل) وهو خمس وعشرون درجة ونصف وقزوين (له د) وهو خمس وعشرون درجة وثلث، وطبرستان (له ل) وهو اثنتان وثلاثون درجة ونصف، وجرجان (لذل) وهو سبع وثلاثون درجة ونصف وبين مقادير الانحراف في ذلك تفاوت كبير أقله (نح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف، وأكثره (لز د) وهو سبع وثلاثون درجة وثلث. فيكون التفاوت (لح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف وثلث، وذلك تفاوت كثير، فكيف تكون الجهة واحدة، وكأن المراد بهذا التسمية دون الحقيقة.
قلت: وعلى هذا ذهب الجويني (٢)﵀ قال: وسمْتُ القبلة لمن بعد الجهة دون العين، ولأن الفرض إطلاق التسمية في اللغة لا حقيقة المسامتة، ولو كان الفرض المسامتة كان من تكليف، لا يُطاق، وهذا غير واقع في الشرع، ومثل له مثالًا ملخصه أن الصف إذا كان بإزاء البيت حتى خرج عن مسامتة جداره لا يكون الخارج مستقبلًا ولا تصح صلاته، فلو كان الصف في أخريات مسوّر المسجد صَحَتْ صلاته ولو كان الصف ألفًا مع كون أكثرهم خارجين عن المسامتة. وكانوا كلهم مستقبلين، ثم قال: فالفرض في الشرع التسمية ذكر هذا بمعناه إن لم يكن كله بلفظة الجويني في غاية المطلب في دراية المذهب.
قلت: ووجه الفرق أن القريب لا يتسع بصره بل لا يتعدى ما تلقاءه.
(١) علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، الموقت. ولد بدمشق سنة ٧٠٤ هـ. وكان عالمًا بالهندسة والفلك والحساب. رحل إلى مصر والإسكندرية له: «إيضاح المغيّب في العمل بالربع المجيب خ». وأرجوزة في الكواكب (خ) - و الاسطرلاب خ. توفي بدمشق سنة ٧٧٧ هـ. انظر: الأعلام ٢/ ٢٥١، والدرر الكامنة ٩١٣، وشذرات الذهب ٦/ ٢٥٢، والجغرافيون العرب ١/ ١١١. ومخطوطات الفلك والتنجيم في مكتبة المتحف العراقي ص ٧٤. (٢) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، إمام الحرمين. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) ورحل إلى بغداد. ثم مكة فجاور أربع سنين. وذهب إلى المدينة فدرس وأفتى. وعاد إلى نيسابور فبنى له نظام الملك المدرسة النظامية. له مصنفات كثيرة منها: (غياث الأمم والتياث الظلم - خ) و (القصيدة النظامية في الأركان الإسلامية - ط) توفي سنة ٤٧٨ بنيسابور. انظر: الأعلام ٤/ ١٦٠، ووفيات الأعيان ٣/ ١٦٧.