حنبل إصابة الجهة لا العين، واستدل بالحديث: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
وقال المرغيناني من أصحاب أبي حنيفة: وإن تيامَنَ أو تياسر يجوز؛ لأن وجه الإنسان مقوّس، فعند التيامن أو التياسر يكون أحد جوانبه إلى القبلة، حكاه عنه قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد السروجي (١) في تأليفه في معرفة القبلة. وهذا خلاف للصحيح من قولي الشافعي؛ لأنّه يدل على أن استقبال القبلة بجميع جسده ليس بشرط.
وقال النواوي: إذا انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، نظر إن استدبرها وتحوّل إلى جهة أخرى عمدًا بَطَلَتْ صلاته، وإن فعله ناسيًا وعاد إلى الاستقبال على قُرب لم تبطل، وإن عاد بعد طول الفصل بَطَلَتْ على الأصح، وأما من هو في مدينة أو قرية، ولو كانت صغيرة بها محراب منصوب تداول المسلمون الصلاة إليه قرنًا بعد قرن، فلا يجوز له العدول عنه إلى الاجتهاد، بخلاف المحاريب المنصوبة في القرى الخربة التي لا ساكن بها، أو ما لا يعلم هل هو من بناء المسلمين أو الكفار، أو ما هو كالأعلام، أو على قوارع الطريق ممر المسلمين والكفار، والاجتهاد في ذلك أولى.
قال النواوي: وتصح داخل الكعبة صلاة الفريضة والنافلة. قال: وله أن يستقبل أي جدار شاء، وله استقبال الباب إن كان مردودًا أو مفتوحًا وله عتبة تقدير ثلثي ذراع تقريبًا. والواقف على سطحها إن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصح، وإن كان الشاخص من نفس الكعبة فحكمه حكم العتبة، ومَنْ هو خارج المسجد، إن عاين الكعبة صلى إليها، ومَنْ لم يعاين ولا تيقن الإصابة فله اعتماد الأدلة. ومن صلى في محراب صلى به رسول الله ﷺ كمحراب المدينة أو قباء استقبله ولم يجتهد، ولا يجوز التيامن ولا التياسر فيها، ولا في المحاريب التي كثر إليها دخول الصحابة ﵃ وصلاتهم إليها كالكوفة والبصرة. ويجوز فيما سوى ذلك الاجتهاد. ولا يصح الاجتهاد إلا بأدلة القبلة وأضعفها الرياح لاختلافها، والجبال والأنهار لتعاريجها، وأقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مستقبلًا للقبلة إن كان يتاخم الكوفة وبغداد وهمدان وقزوين وطبرستان وجرجان وما والاها، وإذا تيقن الخطأ في الاجتهاد قبل الشروع في
(١) أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، ولد سنة ٦٣٩ هـ. شخص من دمشق إلى مصر فتولى الحكم الشرعي فيها مدة، ولقب بقاضي القضاة. ثم عزل، وأسيء إليه فمات قهرًا سنة ٧١٠ هـ. له: في الفقه (شرح الهداية) و (تحفة الأصحاب ونزهة ذوي الألباب) مخطوط في أوقاف بغداد/، الأعلام ١/ ٨٦ والبداية والنهاية ١٤/ ٦٠ والدرر الكامنة ١/ ٩١.