وابن مُنير (١)، يطلعان طلوع الشمس والقمر المنير، ويقولان قول الأنصار، منا أمير ومنكم أمير.
وكان شُعراء ذلك الصَّدْرِ مَعَهُما في المُطارحة على حسب الاتفاق، وما يقدر لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ من الإنفاق، إلا أنَّ الحَلْبة كانت تُخلى لهذين الفحلين وهما لا يُبقيان، والأرضُ لا تَسَعُهُما، و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٢)، إلا أنَّ أَبا الحسين الجزارَ [ممن ذُبِحَ معه بسكينه، وعُرِف مِسكينه]. وأصبحَ بِهِ لا يُعْرَفُ شَحْمُهُ مِنْ وَرَمه، ولا يُرَى مَعَهُ إِلَّا قِطعة لَحْمٍ، مِمَّا عُلِقَ على وَضَمه، لا تُضِيء مَعَ سِراجهِ شَمْسُه، ولا يَمتدُّ مَعَ جَوادِهِ نَفَسُه.
وكُتبَ الوَرَّاقُ لِوالي مِصْرَ الدَّرْج، وقَطفَ من ثَمَرِ الإنشاء إلا أَنَّهُ ما تَعَلَّقَ [إِذْ سَلَكَ سُبُلَهُ] إِلَّا بِفِج.
فَأَمَّا نَظْمُهُ فَهْوَ السُّلوك، ورَقْمُهُ، لم يَزل لكُبَراء الوزراء والملوك.
وجمع شعرَهُ بِنَفْسِه، وجاءَ يَزيدُ على ألفِ ورقة، والمختار له من هذه الطبقة قوله (٣): [من الكامل]
شَجَّتْ جَبينَ مُدامها بالماءِ … فَبَنانُها مِنها خَضِيبُ دِمَاءِ
[وَخَلَتْ مُحدَّدة الدِّنان فدن بها … منْ كفّها عذراء من عذراء]
هزَمَّتْ أَشِعتُها الدُّجَى فمضَى وقَد … سَلَبَ الحَبابُ قِلادَةَ الجَوْزاءِ
وبَدَتْ على وَجَناتِ مَنْ طَافتْ بها … فَرَأَيتُ جَذْوَةَ مارج في ماء
حمراء تُسكِرُ مِنْ جفون مُدِيرِها … ما أشبه الحمراء بالحَوْراءِ
[وكأنها ذوب النضارِ تَرقرقتْ … في جامد من فضَّةٍ من ماء
أو شمسُ دَجنٍ من وراء غمامةٍ … نسج النسيم لها أشف رداء]
قوله: [من الوافر]
= الاصفهاني: دولة بني سلجوق ٢٢٣، شذرات الذهب ٤/ ١٥٠ - ١٥١، كشف الظنون ٧٦٨، دهمان: مقدمة تحقيق كتاب علم الساعات لرضوان الساعاتي ٥٦، الأعلام ٧/ ١٢٥، معجم المؤلفين ١١/ ٧٨، أعلام الحضارة العربية الاسلامية ٤/ ٣٩٤، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٢٩٠.
(١) ابن منير الطرابلسي، أحمد بن منير بن أحمد أبو الحسين مهذب الدين: شاعر مشهور من أهل طرابلس الشام. ولد بها سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨٠ م، وسكن دمشق، ومدح السلطان الملك العادل (محمود بن زنكي) بأبلغ قصائده وكان هجاءًا مرًا، حبسه صاحب دمشق على الهجاء، وهم بقطع لسانه، ثم اكتفى بنفيه منها، فرحل إلى حلب وتوفي بها سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م، له «ديوان شعر - ط».
ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٤٩ والروضتين ١/ ٩١ والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٩٩ ونسمة السحر ١/ ١٧٢ - ١٨٠ وأعلام النبلاء ٤/ ٢٣١ ومرآة الزمان ٨/ ٢١٧ وهو فيه «الرفاء»، الاعلام ١/ ٢٦٠، معجم الشعراء للجبوري ١/ ٢٣٤.
(٢) سورة الرحمن: الآية ١٩.
(٣) سترد هذه القطعة مكررة ص ٢٨.