للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور لفرقة القابض فهرب، وتثنّى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب.

ومنه قوله:

بركة رق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رصف تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، فكأنما رفعت صفائح من فضة على أكر من النضار.

ومنه قوله:

في منزل ابيضت حيطانه، وطاب استبطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وحلا محياه في زرقة قناع السماء، وقد كسا الجدران نباتًا من فضة، ونثر كافورًا على مسك الثرى بعد أن سحقه وأرضه والنسيم قد استولى على الأغصان فميلها، وغصبها مباسم زهرها فقبلها، وعندنا مغنّ إن بدا فذكاء طالعة، أو شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج، قد قصر على وجهه بحديقة، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه. فكتبت إلى الأعز بن المؤيد في وصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد، ارتفاع الأرواح على الأجساد:

غبت عني يا ابن المؤيد … في وقتِ شهيّ يلقى المحبُّ المشوقا

بتُّيها منادمًا لصديق … ظلَّ بين الأنام خلا صدوقا

إن تغنى سمعت داود أو … لاح تأملتُ يوسف الصديقا

وإذا قابل الصباح رأينا … منه بدرًا يقابل العيوقا

ما بدا نرجس الكواكب إلا … قام من خده يرينا شقيقا

فجعلناريحاننا طيب ذكراك … فخلناهُ عَنْبرًا مفتوقا

وهذه الأبيات له، وهي كما تراها رقةً كأنها من أهواء القلوب مشتقة، شائقة مشوقة، منظورة بالإحسان مرموقة، أشهى من المنى وأبهى من القمر في السنا، وأدخل على القلوب من الرضى، وأخطف للأبصار من البرق على ذات الاضا، كأنها من النفوس مخلوقة، أو بالعبير كما قال قائلها مفتوقة.

ومن نثره قوله:

مررنا في بعض العشايا على بعض البساتين من المجاورة لبحر النيل، فرأينا بئرًا عليها دولابان متحاذيان قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان دمعًا أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين وزبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر

<<  <  ج: ص:  >  >>