وقال الكندي: سمعت يحيى بن خالد يقول: كان الفيض بن أبي صالح يعلّم الناس الكرم، وكان يحيى يهضم نفسه إذا ذكر الفيض بن أبي صالح، ويقول: كيف لو رأيتم الفيض بن أبي صالح (١).
قلت: كان يعلم بكرمه الخواطر المنى، ويحفّز بنعمه مواهب الغنى، آية متولد، وغاية مرجو، لا يكسب المال إلا لينفقه، ولا يجمعه إلا ليفرقه، ولا يستجد الثوب إلا ليهبه لا ليخلقه، لا بشكر عليه نعمه، وإن جلت، ولا يمتلئ له سماء خزائن إلا ألقت ما فيها وتخَلَّتْ، كرمًا خلق له طباعًا، وجودًا يدعه يبيتُ يطوي حشاه جوعًا، والناس شباعًا.
وحكي أن الفيض بن صالح، وأحمد بن الجنيد، وجماعة من الكتاب والعمال خرجوا من دار الخليفة، فتقدم الفيض، وتلاه أحمد بن جنيد، فنضحت دابة الفيض على ثياب أحمد بن جنيد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله دابة بغيضة، ولا أدري بأي حق وجب لك التقدم علينا؟ فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء، ووجه إليه عند مصيره إلى منزله بمائة، تخت في كل تخت قميص وسراويل، ودراعه، ومبطنة، وطيلسان، وعمامة، وشاشية، وقال لرسوله: أوْجَبَ لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا الوجه به إليك عوضًا بما أفسدناه من ثيابك.
وحكي أنَّ داود كاتب زبيدة حبس وكيلًا لها على مائتي ألف درهم تأخرت لها
(١) الوزراء ١٦٤. (٢) أبو الأسد: نباتة بن عبد الله الحماني التميمي، شاعر، من بني حمان (بكسر الحاء وتشديد الميم) من أهل الدينور. كان متصلًا بالفيض بن أبي صالح (وزير المهدي العباسي) ومن شعره فيه: كأن وفود الفيض، حين تحملوا … إلى الفيض، لاقوا عنده ليلة القدر وكان صديقًا لعلوية المغني مواصلًا لعشرته، ولعلوية صنعة في كثير من شعره. توفي نحو ٢٢٠ هـ/ نحو ٨٣٥ م. ترجمته في: الوزراء والكتاب ١٦٤ وفيه شيء من سيرة «الفيض»، استوزره المهدي بعد يعقوب بن داود، والأغاني، طبعة الساسي ١٢/ ١٦٨ - ١٧١ وانظر فهرسته والكلام على «حمان» في التاج ٨/ ٢٦٢، الأعلام ٧/ ٨.