للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أتته حوافل، يطأ الأراقم، ويطاول الخطب المتفاقم ويكف بعقله النوازي، ويجلب بعقائله الجوازي، وتقصر رؤية الأفكار إذا ارتجل وتقصي إذا ارتحل، وتقدم النظراء إليه، ثم لا ترى إلا مبلسة، وتقدم الآراء، ثم لا تنفذ إلا وسهامها مرسلة.

قال ابن جلجل (١): هو من مدينة أثينا رومي فلسفي، يوناني، طبي، عالم بالهندسة، وطبائع الأعداد، وله في الطب كتاب بعثه إلى طيماوس تلميذه، وله في الفلسفة كتب وأشعار، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه، ضبط به صنعة الديباج، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس نسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها، ثم استشرف إلى علم العالم كله، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها وأصباغها وائتلافها على قدر الشبه، فوصل إلى علم التصوير فقامت له صناعة الديباج، وصناعة كل مؤتلف به، وله في الفلسفة كلام عجيب.

وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر واللغة، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما إلى أن حضر يوما سقراطيس وهو يثلب صناعة الشعر فأعجبه ما سمعه منه، وزهد فيما كان عنده منه، ولزم سقراط، وسمع منه خمس سنين ثم مات سقراط، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس.

وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة، ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة، وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير، ثم رجع إلى بلده ونصب فيه بيتي حكمته، وعلم الناس، وفعل الجميل، وأعان الضعفاء، وكان حسن الأخلاق، كريم الأفعال، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه وإلى الغرباء، ثبتا، حكيما، صبورا، وكان يرمز حكمته، ويشير إليها ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة، وصنف عدة كتب، وكتبه يتصل بعضها ببعض أربعة أربعة يجمعها غرض واحد. ويخص كل غرض حد منها غرض خاص يشتمل عليه ذلك الغرض العام، ويسمى كل واحد منها، رابوع، وكل رابوع منها يتصل بالذي قبله.

وكان محبا للخلوات والصحارى والوحدة، وكان في الأكثر لا يستدل على


= ترجمته في: الفهرست ٢٤٥ - ٢٤٦، وتاريخ اليعقوبي ٩٦، وطبقات الأمم ص ٢٣، وأخبار العلماء ص ١٧، وعيون الأنباء ٧٩ - ٨٦، ومختصر الدول ص ٩٠ - ٩١، وفي منتخب الصوان لوحة ٣٢، وفي نزهة العيون لوحة، ١٠٠٨٨، والملل والنحل ٢/ ١٩٠ وفي دائرة المعارف الإسلامية مادة «أفلاطون»، طبقات الأطباء والحكماء: هامش (ص ٢٣).
(١) طبقات الأطباء والحكماء ص ٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>